رسالة إلى صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال بمناسبة عيد ميلاد سموه 2025

عبدالله كنعان

 يجد المرء نفسه في موقف ليس بالسهل عند محاولته صياغة الكلمات والعبارات لتُعبر عن مشاعره وأفكاره تجاه من يفخر ويعتز بهم ممن عرفهم وعمل بمعيتهم، وتعلم بمدرستهم الفكرية الشمولية الكثير والكثير مما يستحيل أن يفيهم حقهم عليه من الشكر والعرفان، فمن تشرف بالعمل وما زال مع حضرة صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظه الله، لن تسعفه الكلمات والمعاجم اللغوية على كثرتها وبلاغتها، في صياغة عبارات ومقالات يُحملها مسؤولية ثقيلة في التعبير عما يجول في خاطره من مواقف وذكريات ورسائل محبة واعتزاز بأمير هاشمي هو مدرسة في تعليم المواطنة والتواضع والإخلاص في العمل للوطن والأمة والانسانية.

وذكرى عيد ميلاد سمو الأمير الحسن بن طلال حفظه الله، مناسبة غالية على قلبي وقلب كل أردني وحر في العالم، يؤمن بما ينادي به سموه من قيم التسامح والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية والتشارك والتشبيك بين المؤسسات والمجتمعات البشرية من أجل البناء والتنمية المستدامة، انطلاقاً من فكر سموه القومي العربي والاسلامي المتصل برسالة جده النبي العظيم محمد صلى الله عليه وسلم وسيرة أجداده من بني هاشم بمن فيهم المغفور له الشريف الحسين بن علي رائد النهضة العربية الكبرى، وفكر سموه الانساني الذي يرى أن الانسان وبغض النظر عن عقيدته وموطنه وأفكاره، بأنه انسان قبل كل شيء له الحق في الحياة الكريمة والحقوق والحريات الضامنة له وللأجيال مستقبل مشرق، أمير هاشمي يمضي على نهج الاباء والأجداد من بني هاشم الأخيار في المساهمة بكل ولاء وانتماء في مسيرة النهضة الوطنية والقومية التي يقودها صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله.

من هنا أحببت أن استذكر في هذا المقال وبشكل مختصر وبمناسبة ذكرى عيد ميلاد سموه بعض محطات العطاء خلال العام الفائت، فمقام الكتابة عن مسيرة الأمير بشكل كامل طوال عقود وببُعديها المحلي والدولي، وبما فيها من زخم معرفي وثراء فكري، تحتاج في حقيقتها لسجلات ومجلدات عديدة، ولكن الوقوف على بعضها من شأنه أن يعطي القارىء فكرة عامة عن طبيعة نهجها وفكرها، ومن المعلوم أن المفكر والمثقف يُعنى بمجتمعه ومحيطه تأثراً وتأثيراً، لذا فإن سمو الأمير الحسن بن طلال حفظه الله، تصدرت اهتماماته ومقالاته ما يجري في غزة هاشم والضفة الغربية من عدوان اسرائيلي وحشي مستمر نتج عنه حتى الآن أكثر من 60 ألف شهيد وأكثر من 100 ألف جريح ونزوح مليوني فلسطيني، بعضهم اضطر للنزوح داخل منطقة منكوبة لأكثر من 25 مرة.

إن ما يجري في غزة من مشاهد مروعة لمجازر وابادة جماعية، يثير في عالمنا كما يقول سمو الأمير الحسن بن طلال: «ثورة الوعي ويستنهض في نفوسنا إرادة العمل والبناء»، ويحدد سموه وبكل موضوعية وبراعة جوهر المشكلة لما يحدث في اقليمنا الذي بات مهدداً في أي لحظة بحرب اقليمية لا يمكن التنبؤ بنتائجها، وهو: «الاحتلال وغياب القيم الانسانية الفاضلة التي تُوجب على العالم كله الانتصار للمظلوم والوقوف معه »، وفي نفس السياق التحليلي لطبيعة الصراع في مشرقنا العربي يقول سموه بأنه:» ليس صراع بين حضارات أو ثقافات، بل صراع حول ماهية الثقافة ومن أبرز محطاته الابادة الجماعية الثقافية»، والمقصود هنا انعدام الإهتمام الانساني بالقواسم المشتركة الباعثة على الوحدة في العمل والمصير وتحقيق الأمن والطمأنينة، بل التمسك من البعض للأسف باساطير وخرافات يؤمن أتباعها بقدسية التدمير والقتل والتهجير، كما هو حال المنظومة الصهيونية في عدوانها على غزة والضفة الغربية وكل فلسطين المحتلة.

ويكرر سمو الأمير الحسن دعوته للسلام العالمي، وينطلق في ذلك من نظرة سموه الانسانية الشاملة المتمسكة بحقوق الأفراد، ويرى سموه أن الشرط الأساسي الكبير كقاعدة للسلام هو العدالة، ولن يتحق السلام الا إذا تحقق وترسخ في مجتمعاتنا معاني الرحمة والوسطية، وهذه الركائز التي أشار اليها سموه لتحقيق السلام والمتمثلة في ثلاثية القيم العُليا (الرحمة والوسطية والعدل)، تحتاج لارادة دولية وميزان سلوكيات ودبلوماسية دولية متوازناً، ينبذ التحيز والكيل بمكيالين، وقد نبه سموه لغياب هذه السياسة الرحيمة واستبدالها للأسف بالسلبية والقصور، مشيراً سموه للواقع المأساوي للطفل في غزة، وهو ما ينطبق تماماً على الشعب الفلسطيني ككل، يقول سموه عن ازدواجية عمل المنظمات الانسانية وتباين مواقفها:» في الوقت الذي تتداعي فيه المنظمات الدولية وجمعيات حقوق الإنسان لتفعيل الاتفاقيات والمواثيق الدولية المتعلقة بالطفل وحقوقه...، نجد السلبية والقصور إزاء ما يواجهه الطفل الغزي كل يوم من قتل وظلم، ووجع وقهر، وجوع وحرمان»، خاصة في وقت تتعمد فيه اسرائيل اليوم من التضييق على عمل المنظمات واصدار تشريعات عنصرية لمحاربتها وايقاف عملها، كما جرى ضد منظمة الاونروا، وذلك بحظرها من قبل اسرائيل في القدس، والطلب منها اخلاء جميع مبانيها، في خطوة ممنهجة للقضاء على حقوق اللاجئين بالعودة، مما يعزز القناعة الدولية بأن اسرائيل وحكومتها الاستعمارية اليمينية تتعمد إنهاء حل الدولتين وإمكانية اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967م، وفي هذا صفعة مباشرة للشرعية والارادة الدولية الساعية للسلام والأمن في المنطقة والعالم.

ولأن القدس هي جوهر القضية الفلسطينية، فإن سمو الامير الحسن بن طلال يحرص دائماً وطوال عقود للتوعية بمركزيتها في إحلال السلام، وقد شغلت هذه القضية مساحة كبيرة من سياسة وفكر ومقالات ومؤلفات سموه، وقد عالج سموه الكثير من الموضوعات المتصلة بها من الناحية السياسية والقانونية والانسانية، ومن ذلك ما جاء في متن ومضامين كتاب سموه (القدس دراسة قانونية)، اضافة الى الكثير من المقالات، وخلال العام الفائت تحديداً أشار سموه الى مخاطر متأصلة ويتم تنفيذها بشكل متسارع ضد مدينة القدس، ومن ذلك المستعمرات (المستوطنات) وهو المصطلح الذي يستخدمه سموه للدلالة على خطورته في مسلسل تهويد وأسرلة المدينة، حيث جاء في مقال سموه بعنوان (الأضحى بين الشعائر والمشاعر)، المنشور في صحيفة القبس:»... لدينا احتلال دام أكثر من 70 سنة لأعز ما نملك وهي مدينة القدس الشريف التي يجري تطويقها بالمستعمرات والكانتونات أو المعازل، واقتلاع أهلها وإحلال المهاجرين اليهود محلهم عبر استخدام قوانين مخصصة لهذه الغاية مثل قانون الغائبين وقانون التنظيم والبناء، مع تزايد عنف المستوطنين...»، فالاستيطان والقوانين العنصرية (الابرتهايد) والمصادرة والتهجير باتت تشكل اليوم جريمة ابادة ضد أهلنا في مدينة القدس، وبما أننا نعيش اليوم نفحات شهر رمضان المبارك نستذكر مقال سموه بعنوان (رمضان ومشروع النهضة حتى لا ننسى أرض الاسراء والمعراج)، الذي أكد فيه سموه أن الحق العربي الفلسطيني في القدس هو حق تاريخي وديني لا يمكن التنازل عنه، مشيراً سموه:» يجعلنا الإسراء من مكة إلى القدس أكثر إدراكًا بأن قضية فلسطين هي قضية بلاد الشام والجزيرة العربية والأمة العربية والإسلامية...، إن حق المسلمين الروحي في القدس...، هو امتداد للحق التاريخي للشعب الفلسطيني في وطنه»، واليوم تشكل الوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس ممثلة بصاحب الوصاية جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله الدرع الحامي للقدس والداعم لاهلها، والقاعدة الأساسية المعززة للوجود والهوية العربية والاسلامية في المدينة المقدسة، من هنا جاءت دعوة سمو الأمير الحسن بن طلال إلى ضرورة إحترام القدس بوصفها الملتقى الإنساني المؤثر على الصعيد القيمي والأخلاقي.

ان الفكر الهاشمي المتجذر في عراقته التاريخية ونظرته الانسانية الجامعة للقيم الداعية للسلام والمحبة، تتضح في مختلف الجوانب الفكرية لسمو الامير الحسن بن طلال حفظه الله، هذا الفكر الهاشمي العملي والعالمي الداعي للكثير من المبادرات المعنية بالحوار والتسامح والعيش المشترك واحترام الآخر، باعتبارها وصفة كفيلة بالمساعدة في تحقيق السعادة والتنمية والسلام في منطقتنا واقليمنا الذي يشهد حروب وويلات وتحديات عديدة، ومن ذلك دعوة سموه إلى إنشاء (مؤسسة عالمية للزكاة والتكافل الإنساني) مهمتها تأمين الاحتياجات الانسانية الضرورية، وإنشاء(نظام معلوماتي وطني لبناء إقتصاد معرفي) ليكون بهدف توفير المعلومات الوطنية المعنية بالموارد، لتكون معيناً في صياغة البرامج والخطط التنموية، وإنشاء (بنك إقليمي لبيانات المياه) يساهم في توفير الأمن المائي والغذائي العالمي في عالم بات فيه الماء والغذاء والمناخ تحديات عصرية تتطلب استجابة انسانية موحدة، كما يدعو سموه لجهود تعاونية وتشابك بغية (تعزيز كرامة الإنسان وتمكينه بالاستناد إلى فهرس الحرمان المتعدد) باعتباره أداة علمية ومؤشر تعتمده العديد من الدول لتحديد أوجه العوز والفقر ليسارع لمعالجته.

سيدي حسن حفظكم الله، إن مناسبة ذكرى عيد ميلاد سموكم تتزامن مع نفحات شهر رمضان الفضيل، واستذكر هنا حرص سموكم حفظكم الله على كل ما من شأنه تعزيز قيم البركة والخير في هذا الشهر وفي غيره، بما في ذلك توجيهات سموكم لي وللزملاء في أثناء عملنا في مكتب سموكم آنذاك، بتقديم العون والمساعدة للعديد من الحالات ونصرة كل صاحب حق ومظلوم، والتي يستمع سموكم لإحتياجاتهم عبر المقابلات والجولات الميدانية واللقاءات مع المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني ومطالب بعضهم عن طريق برامج اذاعية وتلفزيونية، وهي سُنّة حميدة ورثتها قيادتنا الهاشمية عن الأباء والأجداد وما تزال نهجهم كابر عن كابر لخدمة أهلنا في الأردن.

سيدي الأمير الهاشمي حفظكم الله، أسأل الله أن ينعم على وطننا بالسلام والأمان، وعلى أمتنا العربية والاسلامية بالوحدة والتكاتف في وجه التحديات، وأن يحفظ غزة والقدس وفلسطين أهلها ومقدساتها، وأسأل الله العلي القدير في شهر رمضان المبارك، أن يمدكم بطول العمر والصحة والعافية وراحة البال وهدوء الفكر، وأن يحفظ سيدي صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبد الله الثاني حفظهم الله والعائلة الهاشمية والأسرة الأردنية، وكل عام وانتم بالف خير.

أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

20/3/2025

رسالة إلى صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال بمناسبة ذكرى عيد ميلاد سموه 2024

عبد الله كنعان

إن مكانة الرجالات ومحبتهم في قلوبنا، تستند في عظم مقدارها إلى الأثر الايجابي الذي تركته فينا، يضاف إلى ذلك ما يضيفه هؤلاء الرجالات لمجتمعاتهم وانسانيتهم من طروح ومقترحات وأفكار تساهم في نهضتها الفكرية وتنميتها البشرية، وهذا بلا شك مرتبط في مستوى فكرهم وثقافتهم وما يؤمنون به من قيم ومبادئ، وسيدي صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظه الله، نموذج انساني نبيل يجسد العطاء والبذل الذي يتعدى تأثيره حدود الأفراد المقربين له ليتجاوزهم وصولاً للمجتمع الأردني والعربي والاسلامي مروراً بمحطات فاعلة افادت المجتمع ?لإنساني بشكل عام، الأمر الذي جعل من فكر الأمير الحسن منارة مُلهمة للكثيرين وأنا واحداً منهم، وما زلت وسأبقى أردد بإعتزاز أنني ولي الشرف، ممن ينهل المعرفة من جامعة الحسن بن طلال، هذه الجامعة الفكرية الوطنية والانسانية في بُعد نظرها وتطلعاتها واستشرافها للمستقبل رغم التقلبات التي فرضتها التحديات.

من هنا يجد المرء نفسه عند رغبته في الحديث عن صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظه الله، وتحديداً عن المجالات والجوانب التي اهتم بها سموه وقدم الكثير من الأعمال والطروحات والأفكار والمقترحات على جميع المستويات، بأنه يحتاج للكثير من الوقت لرصد هذه الأعمال ومساحة كبيرة تتجاوز المجلدات لتدوينها وتحليل نتائجها، خاصة أنها جاءت على الصعيد الوطني والعربي والاسلامي والدولي الانساني، كذلك هي منجزات وفعاليات تراكمية إذ كان سموه ولمدة عقود ولياً للعهد للمغفور له الملك الباني الحسين بن طلال، وهي مرحلة متميزة من ?اريخ بلدنا يمكن تسميتها بمرحلة البناء وترسيخ أسس النهضة، التي يمضي بها قدماً اليوم وبكل فخر واعتزاز جلالة الملك المعزز عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله، وما زال سموه وبصفته أميراً هاشمياً مخلصاً للعرش والوطن ومحباً للانسانية متطلعاً للسلام والأمن العالمي الشامل، يقدم الكثير من الأفكار والمقترحات والمبادرات المهمة، فعلى الصعيد الوطني والعربي والاسلامي ما يزال سموه يرأس العديد من المؤسسات والمنتديات الفكرية والشبابية والعلمية والاكاديمية والانسانية، إلى جانب رئاسة سموه وعضويته للكثير من المؤسسات الدولية ا?عاملة في مجال السلام والتسامح وقبول الآخر والتعايش وحقوق الانسان وكرامته، ومن مبادرات سموه الدولية: مقترحه في خطاب أمام الدورة السادسة والثلاثين للجمعية العامة للأمم المتحدة المتضمن الدعوة إلى انشاء (نظام عالمي انساني جديد عام 1981م)، كذلك مساهمة سموه في إنشاء (مؤسسة البحوث والحوار بين الأديان والثقافات) و(مؤسسة الثقافات الدولي عام 2002م) و(شركاء في الانسانية 2003م) و(برلمان الثقافات عام 2004م) وغيرها، وجميعها أعمال انسانية استحق سموه عليها عشرات الأوسمة وشهادات الدكتوراة الفخرية الدولية.

وتعتبر قضايا وحدة الأمة واللاجئين والتغير المناخي والفقر والبطالة والشباب والتعليم والزكاة والتكافل والتضامن الانساني، هي الشغل الشاغل لسموه، حيث عمد سموه خلال العديد من المناسبات نحو اطلاق منظومة ممنهجة من الأفكار والاستراتيجيات تعنى بهذه القضايا وتواجه انعكاساتها، تاركاً سموه للمؤسسات المعنية والأفراد المهتمين الفرصة للعمل على تنفيذها ومواصلة تطويرها، والملاحظ أن الحلول المقترحة من سموه تعتمد بالدرجة الأولى على التشاركية الانسانية، بمفهومها الواسع الذي يضمن قاعدة تعاون تستوعب جميع الأطراف تعزيزاً للمسؤول?ة الجماعية، ومن ذلك إنشاء (مؤسسة عالمية للزكاة والتكافل الإنساني) يناط بها مهمة تأمين الاحتياجات الاساسية للإنسان، وإنشاء(نظام معلوماتي وطني لبناء إقتصاد معرفي) ليكون سبيلاً لتوفير المعلومات الوطنية المعنية بالموارد، بهدف استخدامها مؤشراً للخطط التنموية الاقتصادية والاجتماعية، وإنشاء (بنك إقليمي لبيانات المياه) يساهم في توفير الامن المائي والغذائي العالمي، كما يدعو سموه نحو (تعزيز كرامة الإنسان وتمكينه بالاستناد إلى فهرس الحرمان المتعدد) باعتباره أداة علمية ومؤشر تعتمده العديد من الدول لتحديد أوجه العوز وا?فقر.

وبخصوص وحدة الأمة، وهي مبدأ ورسالة هاشمية أصيلة منذ النهضة العربية الكبرى، فقد ركز سموه على العمل الجماعي ممثلاً بدعائم الأمة وأعمدتها الاربع (العرب والترك والفرس والكرد)، مستنداً سموه لفكرة التقارب الديني والتاريخي والفكري والتطلعات الواحدة بينها، منوهاً سموه إلى أن اقامة وحدة عربية لا يشترط ان تكون شاملة في أولى خطواتها، ولكن من خلال مجالس أو تشكيلات اقليمية مثل مجلس التعاون ودول المشرق ودول المغرب العربي على غرار الهيئة الحكومية للتنمية بشرق افريقيا، وما يجري اليوم في غزة هاشم من عدوان اسرائيلي متواصل ع?ى فلسطين المحتلة منذ عقود، يشكل تحدياً لامتنا وأمنها ومستقبلها، لذا يرى الأمير الحسن أن وحدة الشعوب العربية اليوم تجاه ما يجري في غزة هو بداية ومنطلق لوحدة الامة كلها، موضحاً سموه في الوقت نفسه أن التضامن والتظاهرات الحاشدة في العالم نصرة لغزة هي تعبير عن انسانية الانسان، ودعوة صريحة للعالم ومنظماته بسرعة انقاذ الشعب الفلسطيني ومساندته، ملخصاً سموه ما يجري ضد أهلنا في غزة بسياسة الابادة المتمثلة بالقتل والتجويع والتدمير، ومن المعلوم أن العدوان والابادة الوحشية الاسرائيلية على غزة ومأساة أهلها المدنيين العز?، لم تكن هي القضية الوحيدة التي حرص سموه على بيان مأساتها للعالم، بل تشكل أيضاً طروحات ورسائل ومؤلفات ومقالات سموه الاخرى المتعلقة بالقضية الفلسطينية والقدس وحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره والحفاظ على هويته وانشاء دولته المستقلة وعاصمتها القدس، جميعها محور اهتمام سموه الهاشمي المتمسك بالدور التاريخي والتضحيات الاردنية التي تتوجها التضحيات الهاشمية، صاحبة الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس ممثلة بجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله والى جانبه ولي عهده الامير ال?سين بن عبد الله الثاني حفظه الله.

سيدي حسن حفظكم الله، أيها الأمير الهاشمي الأصيل النبيل الذي أحبه جميع أبناء الوطن من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه، هذا الوطن العزيز الذي عرفتم سموكم رجالاته الكبير والصغير منهم ومدنه وقراه وباديته، وأنتم سيدي الأمير المفكر الكبير بتطلعاته وطروحاته، سيدي حفظكم الله إن الانسان منّا مهما تعددت مهاراته البحثية ومطالعاته في سيرتكم الكريمة، يجد نفسه عاجزاً ومعه جميع المفردات والعبارات عن الاحاطة بمسيرة طويلة مباركة من العطاء والبذل جسدها سموكم عبر عقود، ولكن الاحتفال الميمون بذكرى عيد ميلادكم يلزم من عرفكم ?يعمل بمعيتكم ويتعلم الكثير من جامعة الحسن الوطنية والعربية والاسلامية والانسانية أن يقف على بعض محطاتها، لتكون هذه المسيرة الحافلة نموذجاً لنا بالمواطنة والانجاز، فكل عام وسيدي الامير والعائلة والاسرة الهاشمية وانتم بالف خير، سائلاً الله العلي القدير، أن يمدكم بطول العمر والصحة والعافية وراحة البال وهدوء الفكر، وأن يحفظ سيدي صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين والعائلة الهاشمية، ليبقى الأردن وأهله موطن العز والكرامة والشهامة مدافعاً عن أمته ووطنه مهما بلغت التضحيات وكان الثمن.

أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

الرأي 20/3/2024

قراءة في كتاب : مسيرة صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال من خلال الطوابع البريدية التذكارية 2023

عبد الله كنعان   

بمناسبة ذكرى عيد ميلاد صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال والتي تصادف 20 اذار من كل عام، جاء كتاب مسيرة صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال من خلال الطوابع البريدية التذكارية، باشراف وتحرير عطوفة الاستاذ عبد الله كنعان، أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس ومن اعداد مجموعة من الباحثين المعنيين بالدراسات التاريخية والطوابع، وبالاعتماد على مجموعة الطوابع الخاصة بالاستاذ جليل طنوس رئيس جمعية هواة الطوابع والعملات الأردنية، وهو من منشورات جائزة الحسن للشباب عام 2020م.

    جاءت فكرة الكتاب بشكل غير تقليدي فهو الى جانب كونه يوثق لجزء من تاريخنا الوطني، فهو أيضاً هدية واحتفال بذكرى عيد ميلاد سمو الامير الحسن بن طلال حفظه الله، ولا شك أن دراسة جانب من مسيرة الامير الحسن الغنية والمتنوعة من خلال الطوابع البريدية يعتبر نموذج جديد وفريد في الكتابة التاريخية المعنية بالسير الذاتية، حيث ليس من الشائع بحثياً الاستناد على الطوابع في مثل هكذا دراسات على الرغم من اهميتها وميزاتهاـ، فهي وثائق رسمية تصدرها الدولة من جهة وهي مصدر معلومات يوفر بالصورة والرواية المكتوبة حقائق تاريخية موثقة من جهة أخرى، لذلك فهذا الكتاب تجربة بحثية جدية مطروحة للاقتداء بها في دراسة تاريخنا الوطني.

   إن مسيرة صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظه الله واسعة في اهتماماتها وتفاصيلها على الصعيد الوطني والدولي، فمن المعروف أن اهتمامات سموه تشمل مجالات سياسية واقتصادية واجتماعية وانسانية عديدة، لذا فإن الكتاب المذكور من خلال موضوعاته اشار بشكل مختصر لها، حيث مهد للكتاب بتتبع السيرة الشخصية لسموه من حيث ميلاده ونشأته ومبادراته الوطنية والدولية والجوائز والتكريمات التي استحقها سموه عبر السنين، اضافة الى النتاج الفكري والعلمي،  فرضته المعلومات التي يمكن استقراؤها من خلال مجموعات الطوابع الخاصة بسموه وهي : مجموعة طوابع الكوينز المذهبة الصادرة بتاريخ7/2/1967م ، ومجموعة طوابع الزفاف الصادرة بتاريخ 2/12/1968م، وطابع الزفاف الملكي البريطاني الصادر بتاريخ 1986م (ظهر فيه سمو الامير الحسن بصفته من كبار الحضور الدوليين)، ومجموعة طوابع اليوبيل الذهبي لميلاد سموه الصادرة بتاريخ 20/3/1994م، واصدارت لطوابع تذكارية ذات علاقة بالمؤسسات والمشاريع الاردنية التي ترأسها سموه، كما وشح الكتاب بمجموعة من الصور الفوتوغرافية التي توثق لمناسبات تخص عائلة صاحب السمو الملكي الامير الحسن بن طلال ، ويلاحظ فيها صور لصاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله وهو يسلم الاوسمة لصاحب السمو الملكي الامير الحسن بن طلال، تأكيداً على دور سموه في المساهمة في مسيرة بناء الدولة الاردنية والتي تنعم اليوم بالتنمية والازدهار بتوجيهات ومتابعات مباشرة من جلالته حفظه الله.

   وتجدر الاشارة الى أن اول طابع اردني يحمل صور ملكية هو الطابع الصادر عام 1927م في عهد الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين، وبعده توالت الاصدارات الاردنية، ومنها مجموعة طوابع الهاشميين بتاريخ 2/7/2003م، وتحمل صور الملوك الهاشميين في الاردن منذ الشريف الحسين بن علي وحتى عهد صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله، لذا فان الدعوة موجهة للاخوة القراء بمطالعة هذا الكتاب ، وكل عام وصاحب السمو الملكي الامير الحسن بن طلال بالف خير .

20/3/2023

رسالة إلى صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال بمناسبة عيد ميلاد سموه 2022


عبدالله كنعان

يقف المرء مطولاً أمام بعض المفكرين من الساسة والفلاسفة والعلماء والفقهاء وغيرهم، وتحديداً أولئك الذين نجد لأفكارهم ومنطلقاتهم، دوراً في صياغة الخطط الكفيلة بمواجهة ما يعتري عالمنا من تحديات، ممن نلمح في فكرهم ما يسمى خاصية استشراف المستقبل، وهنا وانطلاقاً من كل هذه الصفات التي تتحلى بها هذه النماذج والنخب، نجد الميزة الفكرية الجامعة للمعارف والخبرات عند سمو الأمير الحسن بن طلال حفظه الله، صاحب الحكمة القادرة على توحيد الصف وتوثيق الروابط والعلاقات، كذلك صاحب البصيرة والحكمة والرؤية الشاملة، التي تكونت بشكل طبيعي ومنطقي بسبب ثقافة وعروبة وعراقة أسرة سموه الهاشمية الاصيلة، التي كانت وما تزال صاحبة مشروع عربي نهضوي همّه وحدة الأمة وازدهارها ورفعة شأنها.


وقد رغبت في هذه المقالة التي أدوّن سطورها بكل فخر واعتزاز وتقدير ومحبة وإخلاص بمناسبة ذكرى عيد ميلاد سموه حفظه الله، أن أقف عند بعض دعوات سموه الوطنية والقومية والإنسانية الهادفة للتنمية الشاملة، والساعية نحو بناء جسور بين واقع الشعوب وطموحاتها من جهة ومستقبلها من جهة أخرى، غايتها الأساسية النماء والنمو في عصر أصبحنا فيه نعاني مشكلات عديدة، تستلزم منّا المواجهة الجدية بالتخطيط، وتتطلب المزيد من الحكمة وقبول الآخر واحترام انسانيته، وضرورة نبذ الانانية والعنصرية والتطرف في الفكر والعمل، خاصة أنها صعوبات أفرزت الفقر والبطالة واللاجئين والمياه والبيئة والمناخ والتراجع الكبير في حالة التعايش والسلم والأمن في العالم ومستقبل الشباب، إلى جانب حالة مستعصية حول إمكانية إيجاد سُبل قادرة على حل القضايا المصيرية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وجوهرتها القدس، لذا سأشير ولو سريعاً لبعض طروحات سموه حول هذه الأزمات التي باتت ظاهرة عامة يسعى العالم كله للخلاص منها، وخلق مناخ سلام للأجيال.


يؤمن سموه بالتنوع باعتباره سبيل التعاون الجماعي الذي لابد منه، وتطبيق عملي لاحترام الانسان وكرامته وحقوقه ومنهج يتحقق به تعظيم القيم والمشتركات الإنسانية، نظراً لأهمية التنوع في زيادة فرصنا وتحسين إمكانياتنا المتاحة لغايات التقدم والانتاج، ونظرت سموه الشمولية هذه لمنطقتنا خاصة وعالمنا عامة، وبالتالي يتعزز بهذا ما يشير اليه دوماً سموه من أن مفهوم التنمية الشاملة الاقليمية، هي المبنية على فهم مشترك للأولويات، وأبرزها تحقيق سبل العيش الكريم للبشرية بصفتها الإنسانية لا على أساس التمييز الضيق الآفاق والبعيد عن الحكمة والتعقل المفترض وجوده في حياتنا، لان ذلك التمييز وتغييب العقل والضمير لم يجلب للعالم سوى الألم والمعاناة.


من هنا كانت وما تزال نظرة سموه تنطلق حصراً من المصلحة العليا للإنسان، وتشاركية الجماعة ككل في تحقيق الحلول، لذا نجد أن دعوة سموه لأنشاء المؤسسة العالمية للزكاة، لمواجهة الفقر والكوارث في العالم خاصة الإسلامي، فهي منسجمة مع التضامن الإنساني والاجتماعي والكرامة الإنسانية، ويماثل ذلك الدعوة لإنشاء بنك إقليمي لبيانات ومعلومات المياه، لتحقيق الاستقرار في هذا المجال، وهذا البنك المقترح الذي جدد سموه الدعوة له قبل أيام من شأنه الربط بين الماء والطاقة والغذاء والمناخ، فاستمرار الانسان من اجل بناء الحضارة يعني حفظ التوازن بين الحاجات والضروريات وعدم خلق أزمة وصراعات حولها ولأن العصر الحديث يتميز بالتكنولوجيا والثورة المعلوماتية الهائلة، فقد نبه سموه الى أهمية وجود نظام معلوماتي وطني اردني ، قادر على المساهمة في تحليل وتبادل المعلومات بين المعنيين في مجال التكنولوجيا والبحث العلمي، كل ذلك يأتي في وقت يرى فيه سموه أنه يجدر السعي الحثيث ووفق خطط مدروسة نحو العناية بالشباب والارتقاء بنوعية مخرجات التعليم وربطها باحتياجات سوق العمل، لمواجهة البطالة، ولأهمية تشجيع الأنشطة التعليمية والعلمية والتكنولوجية جاء اطلاق جائزة الحسن للتميز العلمي منذ عام 1995م، علماً بأن قطاع الشباب حظي باهتمام من قبل سموه منذ عقود طويلة، ومن ذلك تأسيس منتدى الشباب العربي عام 1988م، وجائزة الحسن للشباب عام 1999م، وغيرها من المؤسسات والبرامج والمبادرات الشبابية.


وفي ظل تمادي الاحتلال الإسرائيلي وغطرسته في الاعتداء على أهلنا في فلسطين والقدس وتشريد وطرد أهلها وعدم الالتفات الاسرائيلي للشرعية الدولية وقراراتها الكثيرة، فإن فلسطين والقدس لم تغب ابداً عن الهاشميين فهم حملة أمانة الوصاية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس ممثلة بجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله، وستبقى الوصاية صمام الأمان وقوة في وجه مساعي اسرائيل لتهويد المدينة وطمس هويتها العربية، لذلك كله قال سمو الامير الحسن بان الحفاظ على هويتها واجب شرعي ودولي، ومصير هذه المدينة المقدسة يهمنا جميعا فهي تعني الكثير للعالم بأسره، لذا فينبغي أن تبقى في الضمير والشغل الشاغل لنا ولجميع الاحرار في العالم حتى سزول الاحتلال عنها، وفيما يتعلق بالمستعمرات وهو المصطلح الذي اطلقه سموه على المستوطنات، فقد نبه سموه مبكراً لخطورتها على فرض أمر واقع اسرائيلي احتلالي، كما شكلت مسألة اللاجئين جانباً كبيراً من اهتمام سموه حيث كان حريصاً على زيارة كبار الزوار والوفود الدولية التي يستقبلها في مكتبه آنذاك للمخيمات والاطلاع على حالة التطهير العرقي والتهجير التي انتهجتها اسرائيل وما تزال ضد الشعب الفلسطيني الأعزل .


سيدي صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظكم الله، الحديث عن سموكم وفكره ودوره الوطني والدولي والإنساني يطول ويحتاج للكثير من المقالات والمؤلفات، ولكنني أحببت بمناسبة ذكرى عيد ميلاد سموكم الغالية، الوقوف عند بعضها بعجالة، فاسمحوا لي سيدي الأمير ان أتقدم من سموكم، قائلاً بكل صدق وإخلاص كل عام وانتم يا سيدي والعائلة الكريمة والابناء والاحفاد والانسباء والأصدقاء بألف خير، راجياً الله العزيز القدير أن يحفظكم ويطيل عمركم وينعم عليكم بالصحة والعافية وهدوء الفكر وراحة البال، ويجعل السعادة والخير ظلاً تنعمون به في كل حين.


وكل عام وأنتم بخير..

2022

رسالة إلى الأمير الحسن في عيد ميلاده 2021

عبد الله توفيق كنعان *

تمر على الفرد منّا أيام من كل عام لمناسبات غالية عزيزة على القلب والوجدان، تحمل في ثناياها الكثير من الذكريات والأحاديث التي يطول سردها والإفصاح عن مكنوناتها، أيام هي في حقيقتها أعوام وعقود من العمل بمعية من تعلمنا منهم الكثير من بني هاشم الأخيار، وشهدنا لهم مواقف عظيمة من حب الأمة والوطن والتضحية لهما، وما زالوا يعملون، غايتهم نماء الوطن الذي يبذلون لرفعته كل ما يملكون دون كلل أو ملل أو منّة، ويوم ميلاد سيدي صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظه الله ورعاه، هو ذكرى طيبة تهب علينا نسائمها في آذار، استذكر ويستذكر معي الكثير من أبناء الوطن العزيز مسيرة هاشمية حافلة من العطاء لسموكم، شاركتم خلالها المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال عقود من بناء الدولة ومؤسساتها.

 


سيدي حسن، أكتب إلى سموكم لأهنئكم أولاً وأهنئ نفسي وعائلتي وكل محبيك الأنقياء الصادقين من كان خُلقهم الإخلاص وما بدلوه تبديلاً، من أبناء شعبنا وأمتنا، فأنا اليوم ولله الحمد فخور ويملؤني الاعتزاز بأن أكون خريج مدرسة وجامعة الحسن بن طلال حفظه الله.

ففي عيد ميلادكم سيدي، يطيب لي أن استذكر قبساً من جهدكم في خدمة الوطن والأمة، خلال العام الفائت وإن كان هو الآخر يمثل جزءاً يسيراً من أعوام وعقود مباركة مضت كان وما زال فيها الأمير الهاشمي الإنسان، يقف كعادته إلى جانب الوطن، يسارع سموكم دائماً إلى مواساة أبناء الوطن في مختلف المحن، وكان آخرها مواساة وتعزية سموكم لأسر ضحايا مستشفى السلط رحمهم الله، كما يساند سموكم أبناء الوطن على إثر تضررهم من وباء الكورونا الذي اجتاح الوطن والعالم كله، وباء خطير ترك في كل بيت أردني حزن على قريب أو صديق فقدناهم رحمهم الله، فقد كان سموكم يطمئن بنفسه على الجميع مطلقاً دعوة عظيمة هي مبادرة "التضامن والتكافل الإنساني ضد وباء كورونا"، والتي أطلقها سموكم مع مجموعة من علماء الأمة جددت نداء سموكم السابق" التضامن ويقظة الضمير الإنساني"، وقد دعت المبادرة إلى تشبيك وتعزيز الجهود الوطنية والإقليمية والدولية في مجال المياه والطاقة بإنشاء مركز إقليمي للمعرفة يستند في قراراته للمعلومة الدقيقة ويقود بنا إلى استشراف المستقبل ونشر نهج التشاركية في المنطقة لمجابهة التحديات، يضاف إلى ذلك نداء سموكم تجاه الوقوف بشكل جدي أمام مشكلة اللاجئين في العالم، إذ باتت هذه المشكلة تؤرق النفوس، وتدق ناقوس الخطر على الأمن العالمي بكل أشكاله، لذلك فقد آن الأوان للمنظمات والمؤسسات التصدي له بمسؤولية وتخطيط، ويلفت سموكم نظر الجميع أفراداً ومؤسسات إلى حاجتنا الملحة للبدء بمأسسة مشروع عالمية الزكاة الذي أطلقه سموكم منذ عقود، والمتعلق بفكرة تشكيل مؤسسة عالمية للزكاة والتكافل الإنساني، وهذا من منطلق ما يحمله سموكم من فكر إنساني واقعي، يربط في كل دعوة أو مبادرة يطلقها بين القيم الإنسانية بوصفها تشكل الدافعية الحقيقية لمساندة الآخر واحترام كرامته وحقوقه، وبين العمل الاقتصادي المطلوب وتفعيل سُبل الاستثمار والإنتاج بوصفها أيضاً الحلول لما يواجه وطننا وأمتنا وعالمنا من تحديات ومشاكل تقتضي العمل الجاد، وفق إستراتيجية يشارك الجميع في تنفيذها، وهذا في حقيقته هو تطبيق لمفهوم المواطنة الجامعة، التي ينادي سموكم في تبنيها، إذ يشعر خلالها كل واحد وفي أي مجتمع أن له حقوق وعليه واجبات.

وبخصوص القضية الفلسطينية وجوهرتها القدس، فقد تمسك سموكم بالحق العربي الأصيل في الأرض المحتلة المغتصبة، استناداً إلى الشرعية الدولية التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة ممثلة بالجمعية العامة ومجلس الأمن ومنظمة اليونسكو وكل المنظمات الحقوقية في العالم، وأيدها الموقف العربي والإسلامي والمبادرة العربية للسلام، والمطالبة بإلزام إسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال) بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومنها القرار الخاص بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود العام 1967م، وتناول سموكم هذا الموقف المتمسك بالحق العربي الأصيل في الكثير من اللقاءات والمقابلات والمقالات والمؤلفات، منها على سبيل المثال؛ كتابكم (حق الفلسطينيين في تقرير المصير)، وكتابكم (السعي نحو السلام)، وكتابكم (دراسة في القدس)، ومن مقالات سموكم عن القضية الفلسطينية خلال العام الماضي مقالكم (نحن العرب لا نطلب معروفا من أحد)، ومقالكم (صفقة القرن: أحادية الحل الإسرائيلي والمشهد العقلاني الأردني)، تتبع فيها سموكم محطات التضحيات والجهود الأردنية والموقف السياسي والدبلوماسي الأردني بقيادته الهاشمية تجاه القضية الفلسطينية وجوهرتها القدس، موضحاً خلالها للرأي العام العالمي من خلال كتابة سموكم الكثير من المقالات باللغة الانجليزية في وسائل الإعلام الغربية إن الموقف العربي يتجه نحو السلام وإعادة الحقوق، كل ذلك لفضح التعنت الإسرائيلي الذي يحاول الترويج لمقولة ان إسرائيل دولة ديمقراطية تبحث عن السلام، بينما الحقيقة عكس ذلك تماماً، تتمثل بالانتهاكات والاعتداءات والقتل والأسر والاعتقال وهدم البيوت وسحب الهويات والإبعاد واقتحام المسجد الأقصى المبارك، الحرم القدسي الشريف بهدف تنفيذ المخطط الصهيوني القائم على هدم المسجد الأقصى المبارك وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه والاستمرار في بناء المستعمرات (المستوطنات).

ان هذا التوازن والإصرار في خدمة الوطن والأمة من جهة، وبث القيم الإنسانية الكفيلة بنشر الوئام والتسامح والتعايش من جهة أخرى، لا يمكن أن يتأتى لأحد إلا إذا جمع بين الفكر والإيمان بالمبادئ والتصميم على نشرها كما هو حال الأمير الحسن، عقله وروحه في الوطن وعيناه على القدس وفلسطين، مطالباً دائماً بأن تكون في ضميرنا وشغلنا الشاغل على الدوام، ويبث سموكم فينا الأمل بغدٍ أفضل نصنعه بسواعد الأردنيين من كافة مدنه وقراه وبواديه، مؤكداً سموكم في مقالة: (على أعتاب المئوية الثانية للدولة)، على مبادئ وأهداف النهضة العربية الكبرى ومراحل الكفاح والنضال لبناء الدولة الأردنية، وتاريخ عميق للشعب الأردني على أرضه، ويدعو سموكم إلى الاستناد في نهضتنا على دعائم عدة كفيلة بمسيرة التقدم والتنمية تتمثل في تاريخ طويل من جهود الأردنيين في مواجهة التحديات الوطنية والقومية، ورسالة عمَان للتسامح والاعتدال والوسطية والأوراق النقاشية لجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، والتي حدد فيها جلالته الرؤية والإستراتيجية لبناء المؤسسات، وهي أيضاً مكملة للدستور ولروح ومبادئ النهضة، وتعتبر بحق خارطة طريق مستقبلي تحتاجه الدولة ويطمح له أبناء المجتمع.

سيدي سمو الأمير الحديث عن جوانب من مسيرة عطائكم الحافلة الميمونة في حد ذاته موضع فخر واعتزاز بسموكم،أسعد وأنا أقف عند بعض محطاتها، وما أكثرها وما أعمق مضامينها وما أصعب حصرها وعدها ولو برع اليراع وكثر الورق، وأنا على يقين بأنها تحتاج إلى صفحات ومقالات كثيرة، ولكن أحببت استعراض بعضها، للقول بأن سيدي الأمير الحسن حفظه الله كان وما زال همّه الوطن والأمة وعزيمته الهاشمية تبث فينا روح العمل، لنستمر وكلنا قوة في مسيرة البناء في ظل قيادة صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله، قائد نهضتنا ورائدها.

وأختم مقالاتي بمناسبة ذكرى عيد ميلاد سموكم، بدعاء والدتي رحمها الله عندما كنت أقبل قدمها ويدها، كعادتي قبل أن أستقل سيارتي في طريقي للعمل في مكتب سموكم، كانت تقول: "روح الله يرضى عليك يا عبد الله، الله يحمي ملكك وعائلته وأميرك وعائلته وعائلتك، الله يحفظكم من كل حاسد ومتربص بسوء"، وها أنا اليوم أكرر وعائلتي عبارات والدتي الغالية، وأقول: كل عام وسيدي حسن والعائلة بألف خير وبركة، سائلاً الله العزيز القدير أن يحفظكم والعائلة الكريمة وينعم عليكم بالسعادة وهدوء الفكر وراحة البال، ويبعد عنكم كل سوء ومكروه، ويديم عليكم الصحة ويلبسكم ثوب العافية، ويعيد عليكم الأعوام والأعوام مكللة بالسعادة والهناء.
حفظ الله الأردن وأهله وقيادته الهاشمية في ظل صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه. وكل عام وسيدي والعائلة بألف خير.

*أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

الغد 20/3/2021

رسالة إلى الأمير الحسن بن طلال بمناسبة عيد ميلاده 2020

عبد الله كنعان*

يعتاد المرء بين الحين والآخر على كتابة سطور وعبارات يعبر فيها عن مشاعره وما يجول في خاطره من ذكريات ومواقف حدثت له مع أعزاء كرام، لهم عنده مكانة غالية، لا يمكن له الوقوف عندها أو تجاوزها دون أن يدون الكثير عنها ، لكن يزداد الأمر صعوبة عندما تتطرق الذكريات والعبارات الى تاريخ كامل يربطك بأمير هاشمي عظيم يشكل دون مبالغة جزءاً من تاريخ وطن أحبه وأخلص له وما زال يمنحه الكثير من الجهد والعطاء ، هو صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظه الله ورعاه .

وقد حرصت وما أزال في كل مناسبة لذكرى عيد ميلاد سموه ، أن أكتب رسالة تحمل ما أمكن لها من المحبة والفخر والتقدير.

وليس من باب المبالغة ان أقول بأن صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال وهو المفكر العربي الهاشمي الأصيل، شغل منصب ولي عهد جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال رحمه الله لعقود خيرة ساهمت في التأسيس لنهضة الوطن التي يكمل مسيرتها ويقوم على رعايتها والنهوض بها جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين ، ويعرف الكثيرون أيضاً مسيرة سموه في النهضة الوطنية من خلال ترؤسه ورعايته للعديد من المؤسسات واللجان الوطنية، ولكن الكثيرين ولا أقول البعض قد لا يعلمون مدى مشاركة سموه في رئاسة وعضوية الكثير من المؤسسات الدولية والعمل الدؤوب فيها، حتى أن الكثير من توصياتها كانت جزءاً من صياغة قرارات أممية صدرت عن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، تلك المؤسسات واللجان التي تعمل في مجال السلام والتسامح الديني وحقوق الانسان ونبذ العنف والكراهية، ونشر قيم المواطنة الانسانية الجامعة وتفعيل العمل بخطاب الوئام العالمي بين أتباع الديانات السماوية، هذا المناخ الذي من شأنه تحقيق حالة من السلم والأمن العالميين، فضلاً عن مشاركة سموه في مؤسسات ثقافية وفكرية ومعرفية عالمية متميزة، وكذلك كثيرون منا قد لا يعلمون كم شهادة دكتوراه فخرية وجائزة عالمية نالها سموه من أكبر وأهم الجامعات في العالم لم تحظى شخصية عالمية بعددها حسب علمي حتى الآن.

والمطالع بعجالة لافكار سموه ورأيه حول الاحتلال الاسرائيلي نرى ان سموه يهتم بالمصطلحات المرتبطة بالقضية الفلسطينية وجوهرها مدينة القدس ومن هذه المصطلحات مصطلح المستعمرات الذي يرى سموه أنها ليست مستوطنات، اذ يؤكد أن السياسة الاسرائيلية قائمة على الاستعمار وتتجه نحو تنفيذ مخططات احلالية، ويؤكد سموه أن هناك حق للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وفق قرارات الشرعية الدولية، كما لخص سموه ملامح ومضامين ما يسمى (صفقة القرن) في مقال عميق له بعنوان " أين سيكون العالم بالنسبة للفلسطينيين؟"، أكد على البعد الوطني والقومي بالنسبة للأردن وقيادته الهاشمية تجاه القضية الفلسطينية وجوهرها مدينة القدس ودفاعهم وتضحياتهم من أجلها، معتبراً أن هذه الصفقة أشبه ما تكون بصفقة عقارية ذاتية ومحدودة المصالح لطرف دون آخر، فضلاً على أنها صفقة تتجاوز اعتبارات القانون الدولي والعديد من قرارات مجلس الأمن، معتبراً سموه أن قضايا المنطقة كلها بالنسبة للهاشميين قضايا وطنية وقومية، يسعون لحلها ويستشعرون بقلق ما ينتج عنها من نتائج سلبية على الوطن والأمة وعلى السلام والأمن العالميين، وهذا الشعور والمنحى الفكري عند سموه يعبر عنه دائماً فيما يمكن تسميته (نداء الحسن للعيش المشترك)، ويطرح سموه نموذج الدستور الفيصلي عام 1920م كنموذج مبكر يدلل على احترام جميع الفئات والمكونات الاجتماعية في منطقتنا وهو بلا شك تمهيداً لتجاوز حدوث الفتن والنعرات الطائفية التي تشهدها المنطقة والعالم اليوم للأسف، ليخلص سموه الى أن التحديات التي يعيشها الانسان تتمحور حول عدة أطراف للصراع، هي صراع ( الانسان ضد أخيه الإنسان والإنسان وعوامل الطبيعة والكوارث الناتجة عن صنع الإنسان).

وفي الجانب الاقتصادي لحل الازمة المالية وزيادة معدلات الفقر في مجتمعنا العربي والاسلامي كرر سموه دعوته الخاصة بإنشاء مؤسسة عالمية للزكاة والتكافل الانساني، وهي دعوة تستند في مضامينها الى تعاليم وقيم ديننا وهويتنا وثقافتنا وليست حلولاً مستوردة بل تنبع منا، تتطلب الالتفات الى قدراتنا الكامنة الفكرية والبشرية، كما أكد سموه على أهمية التكنولوجيا والاتصالات العصرية موضحاً أنه "بات علينا في عصر ما بعد الاتصال أن نستشرف المستقبل، ونختصر الزمن، ونعزز التفاعل" بالطبع للحصول على نتائج تعيننا على تجاوز التحديات وتوفر كمّاً من الرفاهية والراحة الاجتماعية والاقتصادية.

وأرغب في التأكيد على أن مشاعر المحبة والاجلال والفخر الكبير لدي تجاه سموه، جاءت من شرف الخدمة المستمرة عن قرب بمعيته ، كذلك استشعرتها من حجم المحبة والاخلاص والاعتزاز لدى الكثيرين والمتأتية من سيرة سموه تجاه أسرته الأردنية التي أحبها وأحبته شيباً وشباباً، والتي تجده يشاركهم كل مناسباتهم في ظل قيادة صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله ورعاه، كما أن أسرته الخاصة مع الابناء والانسباء، الذين يقضي بينهم أوقاته ينشر بينهم الابتسامة والسعادة، هي أيضاً دليل على أبوته ومحبته لأسرته وعائلته الكبيرة، إن اعجابي ومحبتي لسموه نابعة من معرفتي وملاحظتي للمساحة الفكرية والمعرفية والإنسانية التي شغلها بصدق وموضوعية، فإنك قلما تجد هذه الخصائص والصفات وكل ذلك الانجاز مجتمعاً في شخص واحد، ولكن سرعان ما يأتيك اليقين بإنك تجدها في صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظه الله، لهذا فعندما يقول المرء: بأنه :" خريج مدرسة الأمير الحسن بن طلال" يخدم خلالها الوطن بمعيته ويتعلم منها الكثير، هو قول صدق دون مبالغة أو مجاملة، فأنت في هذا الصرح الشامخ، تشارك في نهضة وطنك وتخدم أمتك وقضاياها، بل تجدك تهتم بجملة القيم الانسانية كلها، أذكر جيداً أنني كتبت سابقاً وفي إحدى الرسائل بمناسبة سابقة في ذكرى عيد ميلاد سموه :" إن العمل مع سموه يعتبر مدرسة وجامعة ولي الفخر والاعتزاز أن أكون أحد خريجيها"، أسأل الله العلي القدير أن ينعم على سموكم والاسرة الهاشمية بدوام الصحة والعافية ويكلل حياتكم سيدي بالسعادة والهناء يخيم عليها راحة الفكر وهدوء البال على الدوام.

وكل عام وأنتم بخير

*أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

الغد 20/3/2020

رسالة إلى الأمير الحسن بن طلال في عيد ميلاده 2019

عبد الله توفيق كنعان

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد،

فاستقبل يا سيدي شهر آذار من كل عام وفي النفس أقوال وعبارات أحاول جاهدا بقلمي وحروفي صياغتها والكشف عن بليغ معانيها، كيف وهو الشهر الذي يصادف فيه الاحتفال بيوم الكرامة وعيد الأم التي تربينا جميعاً على يديها واكتسبنا مفردات الانتماء والوطنية والكرامة والسلام، وفي هذا الشهر أيضاً أجدني مستذكرا ذكرى عيد ميلاد سموكم حفظكم الله وتمضي الأيام والسنين وأنا أتشرف بالعمل بمعيتكم حيث حظيت فيها بالدراية والخبرة التي استقيتها وتعلمتها من مدرسة الحسن وصرحه الرفيع، وهي منبع المعرفة المتنوعة والوطنية والقومية والإنسانية بأصدق معانيها وأجل صورها.

 وتتملكني الكثير من الحيرة وأنا أمسك قلمي لأخط اليسير من سيرتك يا سيدي، فهل أخص بالحديث تناول إنجازاتكم وعطائكم أم أخص الحديث بالاشارة عن تفانيكم وعملكم الدؤوب برفقة الراحل المغفور له الملك الحسين بن طلال، حيث كان لسموكم الاهتمام بالشأن الوطني والقومي والإنساني ليقينكم بأنكم جزء من هذا الوطن تحمله في ثناياكم وتحفظ أسماء الكثير من أهله؛ كنت تتفقدهم يا سيدي أثناء جولاتكم تشاطرهم الهم والأمل والتفكير بالمستقبل، لقد جعلتم سموكم من مناداتكم وحرصكم على الإنسانية شعارا مقرونا بالعمل حيث بدأتم عامكم الخيرّ بزيارة مخيم البقعة للاجئين، اردتها رسالة عالمية مفادها أن الإنسانية هي نقطة البداية والغاية إذا اردنا التنمية والتطور، فمن اقوالكم في ذلك "لقد شكَّلت التحديات العابرة للعقود في عصرنا الحالي الدوافع الأساسية لنداء كان لي شرف المشاركة في توجيهه إلى الأمم المتحدة مع ثماني وعشرين شخصية من أنحاء العالم، في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، للمطالبة بنظام إنساني عالمي جديد ضمن ما يسمى اليوم بأهداف التنمية المستدامة"، ولطالما اشرتم بأن إنسانية الإنسان وحقوقه لا يمكن أن تتحقق إلا إذا وفرت له الحاجيات الاساسية من الماء والغذاء والصحة والملاذ الآمن، وها هي اليوم تشكل محور الصراع وجوهر التنازع والاضطراب، وقد ساهتم في وضع العديد من الاستراتيجيات لتفادي ما ينتج من مشكلات في حال نقصها أو عدم توفرها، فكانت توجيهاتكم بإنشاء المعاهد والمراكز المعنية بذلك ومنها معهد غرب آسيا وشمال أفريقيا "WANA" الذي يهدف لتعزيز الانتقال إلى سياسات وبرامج ترتكز على الأدلة لمعالجة تحديات التنمية والتحديات الإنسانية التي تواجهها منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا.

وسموكم ممن يؤمن بأن الحراك والانتقال الإنساني هو أساس مهم في نقل المعارف والحضارات فعندما يتحرك الإنسان فان الثقافات التي يحملها تتداخل وتتبادل مع غيرها، وبالتالي يكون في انتقاله نشر للقيم الايجابية، وهو بذلك يعزز بنية المناخ لظهور صورة من صور الوئام والتعايش مع الآخر، والذي يمكن تفعيله وصياغته من خلال الحوار، كما ان نظرتكم الثاقبة اتجهت نحو تنبيه المهتمين لأهمية رصد التفاعلات الانسانية السلبية التي قد تنشأ بسبب اختلاف وجهات النظر وتصادمها، فدعوتم يا سيدي لتأسيس مرصد اقليمي في المشرق العربي تكون له وظيفة الرصد والتصدي للصور النمطية السلبية، والتعصب، والاستقطاب وغيرها مما قد تواجهها المجتمعات، بمعنى آخر يكون مركز انذار مبكر يحمينا من ظهور آثار سلبية لا تحمد عقباها على مجتمعاتنا وعالمنا العربي والإسلامي والإنساني.

وها نحن بالأمس القريب نكتوي يا سيدي بنار التعصب والحقد والكراهية لكل ما هو إنساني مستذكرا ما قام به سموكم من حوارات ومؤتمرات ضمت علماء من مختلف العقائد والمذاهب من أجل نشر المحبة والوئام بين البشر.
ولأن الواقع العربي والإسلامي ما يزال يعاني الكثير من التحديات ولا يحقق الطموح المطلوب، ومن أجل تجاوز ذلك عرض سموكم العديد من المقترحات التي تمثل بحق استراتيجية عمل عربي ترتقي بالواقع وتجعلنا قادرين على تجاوز مشكلاته، اشرتم أولا: لاستنهاض الجامعة العربية على مستوى القطاع العام والخاص والمجتمع المدني، وذلك باقامة مجلس اقتصادي اجتماعي ينقل أفكار وأولويات الإقليم فضلا عن الاستماع للأفكار والأولويات المفروضة عليها، وثانيا: انشاء صندوق عالمي إنساني للزكاة، حيث أن زكاة المسلمين تستطيع أن ترسم الابتسامة على وجه الإنسانية فهو بنظركم أهم استثمار أمني لأنه معني بالاقتصاد ومحاربة البطالة والفقر، وثالثا: تأسيس "جمهرة مواطني المشرق" لهذه المنطقة بمشاركة الجميع في رسم سياسة المنطقة من منطلق المواطنة الجامعة للتنوع والجالبة لثمار التنمية الشاملة.

أما القضية الفلسطينية وجوهرها القدس، فانها شغلكم الشاغل ولطالما وجهتم العالم الى أنها مفتاح السلام ليس في منطقتنا فحسب بل في العالم كله، وعن خصوصيتها لدينا كعرب ومسلمين وحول دورنا تجاه حمايتها أشرتم خلال العام الماضي الى خطورة قرار ترامب وتداعياته على المنطقة وعملية السلام، وشددتم أن على العرب الالتفات للولايات المتحدة والعمل على مطالبتها بان يكون دورها ضاغطا على إسرائيل والتحرك كذلك مع المجموعة الأوروبية وروسيا والصين لخلق توازن دولي إضافي ضاغط على إسرائيل في ظل وقوف بعض الدول في صفها، وعن مكانة القدس لنا وعن طبيعة الدور الذي يمكن أن نقوم به تجاهها، وكان اهتمامكم بالأوقاف مرحلة في تعزيز صمود المقدسيين حيث دعوتم سيدي لتحويل مفهوم الوقف إلى إدارة سليمة بالمستقبل، وتأسيس رواق علمي ومعرفي في القدس يهتم بدراسة الوقف، ولا شك أن الاوقاف تمثل اليوم عنصر حماية ودرعا واقيا مهما للقدس لكننا بحاجة إلى تفعيله واستثماره للحفاظ عليه كمؤسسة حيوية تدعم صمود أهلنا في القدس، كما وأكدتم سموكم على أن الاستراتيجية التكاملية بعيدة المدى تجاه القدس يجب أن تتضمن عملا شاملا ينطلق من محورين هما: أولا: النشاط والحراك الدبلوماسي النشط المستمر والمتمسك بالشرعية الدولية وحق الشعب الفلسطيني اقامة دولته على ترابه الوطني وعاصمتها القدس، وثانياً: المحور الثقافي القائم على المنهج العلمي في البحث في شؤون القدس، لذلك عمد سموكم مؤخراً الى مباركة إنشاء مركز الحسن للدراسات المقدسية في جامعة القدس، اضافة الى رعايتكم صدور الاعمال التأليفية الموسوعية في هذا الاتجاه، لتكون هذه الاستراتيجية الثنائية (الدبلوماسية والثقافية) سبيلاً للدفاع وحماية وترسيخ الهوية المقدسية الحضارية.

سيدي يطول التجوال في فكر سموكم الإنساني والمعرفي الرحب، أدعو الله العلي القدير أن يحفظ سموكم والعائلة الكريمة من كل سوء ومكروه ويديم عليكم الصحة والعافية ويكلل حياتكم بالرضا وراحة الفكر وهدوء البال، وليبقى الأردن موطن العز والكرامة والحرية في ظل قيادته الهاشمية الرائدة.

وكل عام وأنتم والأسرة الهاشمية الكريمة بألف خير، ، ،

الغد 20/3/2019

رسالة عهد ووفاء إلى سمو الأمير الحسن بن طلال حفظه الله بمناسبة عيد ميلاده 2018

بقلم : عبد الله كنعان

 

سيدي سمو الأمير، يدعونا واجب الوفاء والاخلاص والمحبة لسموكم، كما هو حالنا على الدوام، تجاه الأسرة الهاشمية التي نحبها ونخلص لها، نحن الذين تشرفنا بالعمل بمعية سموكم على مدى الأيام والسنين الطويلة التي مرت، بحلوها ومرها. أن ننتهز فرصة ذكرى ميلاد سموكم، فأسأل نفسي هل أكتب إليكم؟ أم أكتب عنكم سيدي؟، وأنا من حفظت في مفكرتي ما يملأ مجلدات، فيها كل ما من شأنه أن يفخر ويعتز به الإنسان، سيرة عطرة لحياتكم، فما زلت أحفظها وامتثلها قدوة ونموذجاً أعمل بها على الدوام، فقد جسدتم بحق في سيرتكم الوطنية والقومية كل معاني الإخلاص والوفاء للوطن الذي تحبون وتفدون، وللأمة الخالدة التي تدافعون عنها، وتمنون النفس بدوام رفعتها ورفعة شأنها، وحبكم لأبناء وطنكم شيوخهم وشبابهم وصغارهم هو الآخر فيض من نبع حبكم الأصيل للوطن، ألم تكونوا أنتم يا سيدي في لقاءاتكم تنادون الحضور بأسمائهم وتداعبون الشيوخ بذكرياتهم، وتسألون الشباب عن أحوالهم وآمالهم. وفي زياراتكم للمؤسسات ولقاءات المسؤولين، ألم تسألهم عن خططهم التنموية التي وضعت، وإنجازاتهم ومشاريعهم التي تمّ الإتفاق عليها بحضوركم وإرشادكم الكريم، ليشعر كل واحد منهم بأنه معرض للسؤال والجواب، مما يدفعهم للحرص الدائم على الإنجاز خشية مسائلتك للمقصر منهم، وتقديم الثناء على المبدع والمجد منهم. ألم تحذِّر في المحافل السياسية المحلية والعربية من جُلة المخاطر التي تهدد أمن المواطن وسلامته، فتدعو إلى أن نخطط لأنفسنا قبل أن يُخطط لنا، وتدعو إلى وحدة الصف والكلمة ونبذ العنف والتعصب بشتى أشكاله حفظاً لكرامة الإنسان الأردني والعربي. ألم تكن من أول المحذرين في مختلف المحافل الدولية من خطورة الصمت على الظلم والبعد عن الإستقواء حفاظاً على عيش الشعوب بأمن وسلام والتعاون فيما بينها لرفعة الإنسان وشأنه.

وفي سبيل وحدة الصف العربي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الدقيقة المثمرة، أنشأتم سموكم منتدى الفكر العربي ليكون جسراً بين المواطن العربي والحاكم. وفي سبيل التقريب بين المسلمين وأفكارهم في جميع أرجاء المعمورة، أنشأتم سموكم مؤسسة آل البيت، وذلك بهدف ضم أشهر العلماء المسلمين إليها، غايتهم أن يتباحثوا ويلتقوا ويتّحدوا بأفكارهم، ويحترم كل واحد منهم مذهب الآخر وملته وطائفته، ليكون عملك المؤسسي هذا مساراً نخطوا عليه من أجل إنشاء حوار للمذاهب الإسلامية كي توحد كلمتهم وموقفهم وتلغي الفوارق التي تبعدهم وتضعفهم، وفي سبيل الحوار مع الآخر وترسيخ دعائم الأخوة والصداقة والتقارب، حرص سموكم على إنشاء المعهد الملكي للدراسات الدينية، فتكون مهمته وجهوده منصبة في اإدارة برنامج حوار الأديان ليكون منهجاً قويماً ليلغي التعصب والتطرف الديني، ويقرب بين أتباع الأديان جميعاً، ولتحقيق كل ذلك مهدتم سموكم بطرح ثوابت مهمة من جملتها تبني فكراً حوارياً ونهجاً تعايشياً يسعى في جوهره إلى تحقيق أعلى مستويات الانسجام الإنساني ويغرس في مجتمعاتنا قيم المصالحة بين الشعوب، وهكذا يا سيدي كنتم تهدفون بما انشأته من مؤسسات عديدة لا مجال لتعدادها وفي ذكرها يطول الشرح، فإنجازات سموكم عظيمة وكثيرة يصعب علينا حصرها.

إن إنسانية سموكم والتي غلفتها المشاعر والأقوال الصادقة، تبلورت في خطوات عملية متقدمة لها نتائجها المباشرة على مجتمعنا الأردني الذي يغلب عليه اليوم حالة من التغيير والتطور، سببها تأثره بالأوضاع الإقليمية والعالمية بخاصة السياسية والاقتصادية منها، وما تفرزه من نتائج متنوعة لا يمكن أن ننأى بأنفسنا عن تأثيرها، غير أن الفكر الهاشمي النيّر الذي يقوده الآن ابن أخيكم جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله، ساهم بوعيه المعهود في التقليل من تحدياتها، ولقد تجسد دور سموكم الإنساني في حضوركم المميز وما يتخلله دوماً من طروح ورؤى موزونة أقرب ما تكون إلى برامج عمل متكاملة متعلقة بكبرى القضايا الانسانية في المنطقة بل في العالم كله اليوم، ولا شك أن في مقدمتها قضية اللاجئين والتي أقلقت سموكم لما ينتج عنها من التداعيات العصيبة، هذه القضية المستعصية والتي كانت حصيلة لما يجري حولنا من أحداث معقدة يصعب تحليلها وتفسير خفاياها، فقد ناديتم خلال أعمال ((المؤتمر الدولي الثالث اللاجئون في الشرق الأوسط: المجتمع الدولي، الفرص والتحديات 2018)) نحو ضرورة التأكيد على أهمية توحيد النظرة الانسانية لحقوق الإنسان بشكل عام سواء كان الإنسان مواطناً أو مهاجراً أو لاجئاً، بعيداً عن لغة المصطلحات التي أخذت تعمق لأشكال التقسيم في المجتمع.

إن رؤيتكم الإنسانية هذه تنطلق من ثوابت هاشمية أصيلة تهدف إلى إحياء مفاهيم التضامن الإنساني لقطف ثمار الوحدة الانسانية، مقتنعين سموكم بأن رسالة الإسلام السمحة في جوهرها رسالة أخوة إنسانية وديناً يستوعب النشاط الإنساني كله، يلغي الفوارق بين بني الإنسان، يعين الفقير ويساعد المحتاج، فمن هنا كانت دعوة سموكم وما زالت إلى إنشاء صندوق عالمي للزكاة بغية القضاء على الفقر والمحافظة على إنسانية الإنسان وكرامته.

ونظراً لإهتمام سموكم بالشباب ودورهم الفاعل في المجتمع، اسمحو لي يا سيدي أن أتطرق إلى بعد نظركم وتطلعاتكم لأهمية دور الشباب في المجتمع وبناء الوطن، إذ أنشأ سموكم لتوجيه طاقاتهم وطموحاتهم منتدى الشباب العربي ((وهو يعد أكبر تنظيم شبابي ظهر في تاريخ الأردن والذي شرفني سموكم بمسؤوليته بالإضافة إلى عملي))، حيث كان يضم خيرة طيبة من الشباب الأردني تجاوز عددهم خمسة آلاف شاب وشابة، منظمين حسب الأصول وضمن هيكل تنظيمي وفروع منتشرة في جميع ربوع الوطن الغالي، وقد بلغ عددها (20) فرعاً موزعة على المحافظات والألوية في أنحاء المملكة لكل منها مجلس وموقع، ولم يكن يمر أسبوعاً إلا والصحافة تكتب عن همة شباب المنتدى ونشاطهم في خدمة المجتمع المحلي، دون أن تُكلِّف الدولة فلساً واحداً، إذ كانت ميزانيته من حصيلة التبرعات ممن آمنوا بالشباب ودورهم الريادي واشتراكات العضوية، والشرح في هذا المجال كغيره من المجالات يطول لكثرة ما أنشأ سموكم من مؤسسات وجمعيات هامة لا يتسع الحديث عنها في رسالة التهنئة هذه بعيدكم الميمون.

إننا على علم يا سيدي، بأن الهم العربي بكل تفاصيله وحيثياته، كان وما يزال يأخذ المساحة الأكبر من فكر الهاشميين وجهدهم المتواصل ليلاً ونهاراً، وهو الشغل الشاغل الآن لجلالة الملك عبد الله الثاني يحمله معه في حله وترحاله ومقابلاته ولقاءاته. وأنتم يا صاحب السمو ممن كان يُقلق وجدانهم وفكرهم المستنير هذا الضعف والخذلان والتشرذم الذي تشهده للأسف منطقتنا العربية، فما تشهده من دمار وحروب وتهجير قصري للمواطن العربي أصبح يدمي القلب.

أما القضية المصيرية والتي تستحوذ على جل اهتمامكم ولا غرابة في ذلك فهي القضية الفلسطينية التي ضحى من أجلها جدكم وعائلتكم الباسلة على مدار التاريخ، وقد كنتم يا سيدي تستشعرون بفراستكم العربية المعهودة ونظرتكم الثاقبة الخطر القادم الذي ينتظر الوطن المسلوب والقدس الشريف، فكان سموكم يتمنى أن تكون القدس أول بند يناقش في المفاوضات العربية الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد، تشاطرون في طموحكم ذلك موقف المغفور له جلالة الملك الحسين ابن طلال رحمه الله، ولهذا الهدف كانت دعوات سموكم المتواصلة، إلا أن الإرادة الدولية أبت إلا أن تؤجل وضع القدس لمفاوضات الوضع النهائي، وكم حذرتم يا سيدي من خطر الاستيطان وبح صوتكم، تحذرون فيها من الخطر منذ أن قامت أول مستعمرة، وأنتم يا سيدي من اسميتموها بذلك رافضين تسميتها مستوطنة، وناديتم بضرورة الوعي والعمل للحد من خطرها الداهم ((ولكن لا حياة لمن تنادي))، وبالتالي فإن همكم وحرصكم على فلسطين والقدس بما في ذلك الأماكن المقدسة، كما هو حال الهاشميين وحرصهم بقيادة صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين على العناية بها والدفاع عنها في جميع المحافل الدولية، والعمل انطلاقاً من الوصاية الهاشمية على القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.

وختاماً اسمح لي سيدي بعد أن تجولت بالحديث عن بعض من سيرتكم الكبيرة وهي بحجم هذا الوطن الكبير ((وهي غيظ من فيض)) أن أتوجه بهذه المناسبة العزيزة على قلوبنا إلى الله العلي القدير أن يمن علينا وعليكم وعلى أسرتكم الكريمة بدوام الصحة والعافية، فيرزقكم راحة الفكر وهدوء البال ويحفظكم من كل سوء ومكروه ويطيل لنا عمركم، وليبقى الأردن موطن العز والكرامة والإباء سنداً وداعماً لفلسطين والقدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية في ظل رعايتها الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه وحفظكم ورعاكم وكل عام وانتم بخير.

جريدة الراي 20/3/2018م

قصة وفاء - رسالة بمناسبة عيد ميلاد سموه حفظه الله 2017

بقلم: عبدالله كنعان

 

لو قدر لمبدع أديبا أو كاتباً أو روائياً أن يكتب ((قصة وفاء))، لما وجد أجمل ولا أروع من قصة وفائكم، للأردن وطناً، ولأهله وعشيرته عزوةً ،ولعرشه الهاشمي قائداً لمسيرته وتقدمه وأمنه واستقراره، إنها قصة وفاءِ لعروبتكم وقوميتكم وعقيدتكم، ووفاؤكم يا مولاي من نوع فريد، تقاسمه وطن اسمه الأردن، وأسرة هاشمية كريمة المنبت والجذور، وشعب بادلكم وفاءً بوفاءً، فقد كنتم قرة عين جلالة المغفور له الملك الحسين وساعده الأيمن، كما وصفكم رحمه الله، نذرتم أنفسكم لعروبتكم وقوميتكم وعقيدتكم، كما رفعتم شعار المحبة الإنسانية ودعوتم للمحافظة على كرامة الإنسان أياً كان، من خلال تفعيله تتحقق العدالة والحرية والاستقلال لكل الناس، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وقوميتهم.

سيدي سمو الأمير،

 نحن الذين تشرفنا بالعمل بمعية سموكم، وتخرجنا من مدرستكم، بل من جامعتكم، شهدنا جميعاً أجمل وأحلى قصة وفاء .

من جامعتكم تخرج الكثيرون، فمنهم من غدا سفيراً أو مديراً أو وزيراً أو رئيساً للوزراء أو نائباً في البرلمان أو عضواً في مجلس الأعيان، ومنهم من تقاعد للراحة، ومنهم من اختاره الله إلى جواره، وإذا أردت ان اعدد واروي سيرة كل من تشرف بالعمل بمعية سموكم ،مدنيين وعسكريين، وفي الدوائر التابعة لمكتبكم وهم من كرام الناس، فلا تكفيهم صفحات الجريدة كلها.

         نحن وكل هؤلاء الإخوة والأخوات الكرام، شهدنا قصة الوفاء، التي ستذكرها الأجيال، وتوثقها كتب التاريخ والسياسة، وكنا نتعلم ونزداد معرفة من سعة اطلاعكم، وعمق علاقاتكم مع مختلف الشخصيات والمؤسسات العالمية، حتى أصبح اسمكم علماً على المستوى الدولي والإقليمي، وسعت إليكم المؤسسات الدولية رئيساً لها أو عضواً فاعلاً ومشاركاً فيها.

 ومنحتكم الكثير من الجامعات شهادات الدكتوراه  تقديراً واحتراماً لعلمكم وشخصكم.

 وعلى المستوى المحلي، فقد بنيتم يا سيدي جسوراً للتواصل مع الكبير والصغير كنت تعرفهم بالاسم والعائلة والعشيرة، فيشعر كل واحد منهم قربه من سموكم.

 نعم سمو الأمير

   من حقكم علينا ان نستذكر عيد ميلادكم لنجدد لسموكم صدق محبتنا ومشاعرنا.  ومن حق سموكم ان تشعر بالرضا والراحة والسعادة، وراحة الفكر وهدوء البال، بعد كل هذه السنين التي كنتم فيها ولا زلتم الوجه المشرق الناصع للأردن وأهله، وما زلتم تعملون وتشرفون على بعض المؤسسات بعد تقاعدكم، تواصلون مسيرة الخير والعطاء . كما لا يفوتني ان استذكر إخلاصكم ودفاعكم عن القضية الفلسطينية والقدس ومقدساتها، ففي خطاب سموكم في الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث مثلتم الأردن ،لخصتم كثيراً من المعاني، ووجهتم رسائل للمجتمع الدولي، حول القضية الفلسطينية ببضع عبارات نذكر ما قلتم بالحرف الواحد ((إنني شخصياً امثل الجيل الرابع في أسرتي الهاشمية، التي كان لها شرف قيادة الثورة العربية الكبرى، من اجل استقلال الأمة العربية وتقدمها وازدهارها، فما زالت القضية الفلسطينية التي شكلت عبر العقود الهم الرئيسي لأسرتي والتي دفع جدي حياته ثمناً لها. ما زالت دون حل، لقد اخفق الزمن في ان يكون الترياق لالتئام الجراح، وعلى العكس من ذلك فما زالت تلك الجراح تتعمق وتنزف، على الرغم من مضي عدة عقود، فهناك جيل كامل من الفلسطينيين الذين ولدوا في مخيمات اللاجئين، وترعرعوا وكبروا فيها ولم يعرف هؤلاء في كل الظروف التي عاشوها سوى الموت والرعب والحرمان))  والصفحات لا تكفى لذكر جهدكم في خدمة القضية الفلسطينية والقدس ومقدساتها...........  قصة وفائكم قصة تحكى للأجيال ............. فيها كل معاني الخلق الرفيع والنزاهة والبساطة والنبل والصدق والانجاز، والتفاني في حب الـــوطن وأهله، كنت تؤمن بالحــوار لتقريب وجهات النظر، أو لست القـــائل يا سيدي

 " أنا أؤمن بلقاء العقول، فإذا كان عندك عقل فإنني أحب ان أراه ".

اسمحوا لي سموكم باسمي واسم كل المحبين والمخلصين لكم ان نقول :

 بأننا سنبقى على العهد والوفاء، نحبكم ونخلص لكم، وللعرش الهاشمي وقيادته الحكيمة ما دمنا على قيد الحياة ".

ونسأله تعالى ان يحفظكم ويرعاكم بعنايته في حلكم وترحالكم وان يبارك لكم في رزقكم ومالكم وأولادكم وبناتكم وأحفادكم جمعياً.

 

سيدي لا نملك في ذكرى يوم ميلادكم إلا ان نقول لكم بأننا أحببناك

ولا تزال في قلوبنا تملك القلب والوجدان .

 

وسيبقى الأردن موطن الحب والوفاء بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله.

 

وكل عام وانتم بخير،،

 

20/3/2017

رسالة إلى صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال بمناسبة عيد ميلاد سموه حفظه الله 2016

عبد الله توفيق كنعان

 

سيدي سمو الأمير،

         كل عام وسموكم والعائلة الكريمة بألف خير، نقولها بكل الصدق والمحبة، وكيف لا ونحن الذين خدمنا بمعيتكم سنين طويلة، بعضنا غادر والبعض لا يزال، عشنا معكم ساعة بساعة ويوماً بيوم، فنحن شهداء على إخلاصكم ووفائكم للعرش والوطن، وأنتم سيدي لا تحتاجون لمن يشهد لكم لكنها شهادة تعبير عما يجول في خاطرنا وعن مشاعرنا ومحبتنا لكم، شهداء على سهركم الليل استعداداً للغد وما فيه من واجبات واجتماعات ولقاءات وندوات ومؤتمرات وخطابات، وأهم من كل هذا وذاك، نحن شهداء على صدق نواياكم ورفيع أخلاقكم ونزاهة مسيرتكم ومحاربتكم للفساد والمفسدين. وليس هذا فحسب نحن أيضاً شهداء على وطنيتكم ومشاعركم القومية التي أورثكم إياها جدكم الشريف الحسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى ليوحد الأمة ويجمع صفها بعد تحريرها.

  فكم من خطاب لكم  أكدتم فيه وحذرتم من فرقة الصف والكلمة؟ وكم أوضحتم سموكم في أكثر من مناسبة وخلال خطاباتكم ولقاءاتكم وكان احدها أثناء زيارة لكم إلى تركيا سنة 1982 شددتم فيه على أن الثورة العربية الكبرى لم تقم ضد الخلافة بل كانت ضد الظلم الذي مارسه الحكام في آخر عهد الخلافة ليس على العرب وحدهم بل على الأتراك أنفسهم أيضاً تلك الثورة التي ها نحن نحتفل بالذكرى المئوية لقيامها.

سيدي سمو الأمير،

من حق سموكم علينا أن لا تمر ذكرى ميلادكم دون أن نذكركم بالخير. اجل من حقكم  علينا ان نذكر باعتزاز ما قدمتم سموكم للوطن والأمة لأنكم كنتم على قدر المسؤولية التي أولاكم إياها سيد البلاد، جلالة المغفور له الملك هم من كل أهالحسين بن طلال، كنتم أهلا للثقة تلك فأوكل إليكم تولي عدد كبير من المهام؛كنتم يا سيدي خير الأخ والمعين لجلالته رحمه الله.

وبوحي من روح الإخلاص والانتماء للوطن، وبوحي من توجيهات جلالته رحمه الله كان دافعكم خدمة هذه الأمة ورفعة شأنها. ومن يتابع عمل يوم من أيام عملكم وأنتم ولياً للعهد آنذاك، يعرف جيداً الأعباء الجسيمة التي ألقيت على عاتقكم، لتحقق ما أراده جلالته رحمه الله لهذا الوطن من أمن واستقرار ورفعة وتقدم وازدهار في مختلف مناحي الحياة، وهي الأعباء التي يقوم بها الآن ابن أخيكم جلالة الملك عبد الله بن الحسين حفظه الله بكل جدارة واقتدار؛ فها هو يواصل مسيرة والده رحمه الله ليبقى الأردن واحة أمن واستقرار في ظل وضع عربي ومحيط إقليمي ملتهب. هكذا هم الهاشميون مصدر أمن يلجأ إليهم كل محتاج للمأوى ويستضيء بحنانهم ودفء مشاعرهم كل الأردنيين، ليشكلوا نموذجاً يحتذى به بالحكم وإدارة شؤون الوطن وتعزيز أمنه واستقراره.

سيدي سمو الأمير

 الوقت كان عندكم للانجاز والعمل الدءوب، فلا حساب لساعات العمل ولا راحة قبل انجاز برنامج عملكم اليومي والذي يبدأ مع إشراقة شمس كل يوم ولا ينتهي إلا بعد منتصف الليل.

فالانتماء الذي تعلمنا وتربينا عليه في مدرسة سموكم هو الإخلاص والوفاء والنزاهة والأمانة والصراحة والجرأة بقول الحق، فلا تواكل بالعمل، ولا توكل إلا على الله، فقد تعلمنا سيدي في مكتب سموكم أن نعمل بروح الفريق الواحد ،فالعلاقة التي أرسيت بيننا أساسها المحبة والمودة سعياً لإنجاز المطلوب، كنا نشكل فريق عمل واحد متماسك ومنسجم، يتولى الواحد منا عمل الأخر بسرعة ودقة حال غياب أحد منا.

سيدي سمو الأمير،

نعم سيدي إن سيرتكم منذ أن توليتم ولاية العهد إلى أن تقاعدتم تحكي قصة وطن في شتى مجالاته وأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والإنسانية، فطيلة تلك السنوات ظللتم تنسجون قصة وطن ولدنا وكبرنا وفتحنا عيوننا عليه، ماضيه وحاضره ومستقبله، كنا نراكم وأنتم ترون مرارة الواقع العربي والإسلامي دون ان يتسلل الإحباط إلى نفسكم أو ان تتملككم خيبة الأمل، وان كنا نلحظ عليكم مرارة الألم الذي يعتصر داخلكم كلما ألم بعالمنا العربي والإسلامي من أزمات وواجهته من تحديات وصعوبات لم يستطع القادة من لملمتها ومواجهتها بالشكل الذي يحافظ على قوة الأمة ووحدتها من أجل مستقبل أفضل، كان يؤلمكم أن الهوة تكبر بين القائد ورعيته في هذا البلد العربي أو ذاك. وكم  كان يؤلمكم أن ترى الفرقة تزداد بين الحاكم والمحكوم من جهة وبين أقطار وطننا العربي والإسلامي من جهة أخرى؟ كم كان يؤلمكم أن البعض لم تكن لديه الرؤيا الثاقبة لما يدور حوله، فلا بعد نظر على المستوى العربي في التعامل مع المشكلات وتداعياتها، ولا وكيف يجب أن تدار الأمور على المستوى الإقليمي والدولي، ولا وكيف يجب أن تتحد الأقاليم مع بعضها لتكون قادرة على مواجهة الطامعين بها، وكسب صداقات وثقة الرأي العام وصناع القرار في الدول الكبرى ومعرفة أهدافها وخططها بما يمكنها  من تجنب شرورها وتآمرها وما تخطط له لتكريس انقسامنا.

 

سيدي سمو الأمير،

 لقد كنتم سيدي دائماً سابقين لعصرك. كانت نظرتكم للأحداث بعيدة بحكم علاقاتكم وحضوركم على المستوى الوطني والإقليمي والدولي. وكيف لا تكونون كذلك وأنتم دائمي الحضور مع المفكرين والعلماء وكبار السياسيين الدوليين إلى جانب نهمكم في القراءة والبحث والاستفادة من حضارات وثقافات الأمم الأخرى المتقدمة علينا؟،لم يكن عندكم فراغ للهو، ولم تجاملوا أحداً إطلاقاً على خطأ يرتكب, أو حتى عن سهو، صدقني يا سيدي كم كنت أسمع من كافة الزملاء في الديوان الملكي ورجال دولة ومسؤولين بأنهم كانوا يهابونكم لا لبطش يخشونه، بل لمساءلة قد يتعرضون إليها بسبب تقصير في عمل لم ينجز في وقته المحدد أو تقاعس عن أداء واجب.

كان كل مسؤول يخشى الخطأ لأنه حريص على صورة أدائه في معيتكم .. آه يا زمن ماذا عساي أن أقول بمناسبة عيد ميلادكم سيدي صاحب السمو، فالكلام  كثير وكثير، والذكريات لا حصر لها ولا عدد، كل يوم فيه قصة وعبرة ودرس. ذكر لي بعض الأخوة من العسكريين ممن خدموا بمعيتكم سكرتيراً عسكرياً بأنهم قد نهلوا من مدرستكم خلال السنة أو السنتين ما أكسبتهم خبرة لم يكن لأي منهم  ان يعرفها مهما طالت خدمته في مكان آخر..

سيدي صاحب السمو

 قد يظن من يقرأ رسالتي لسموكم بأن سموكم قاسي القلب ومقطب الحاجبين دائماً، وأعذرهم في ذلك لأن أحداً لم يقل لهم بأن سرعة غضبكم سرعان ما تزول  بابتسامتك العريضة، كما انه ما من أحداً قال لهم بأنكم صاحب روح مرحة، تجيد الضحك وتحب الفكاهة والنكتة بقدر ما تحب العبارات الجميلة والحِكم والأمثال المعبرة.

وأن أحداً لم يقل لهم بأنكم مدرسة للصفح والتسامح إذا أخطأ الواحد مع سموكم. وأن أحداً لم يقل بأن قلبكم واسع ورقيق المشاعر ومرهف الأحاسيس والعواطف. فكم كنتم تخفون الدمع في مقلتيكم كلما كان المشهد أو الحدث حزيناً ومؤلماً.

سيدي سمو الأمير،

         نسأل الله العلي القدير أن يحفظ الله الأردن ويحفظ قيادته الهاشمية ليبقى واحة أمن واستقرار وحصناً منيعاً لنا ولامتنا كما كان على الدوام، نصيراً لفلسطين وأهلها وللقدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.

وكل عام وأنتم والعائلة الكريمة جميعها وكل الهاشميين وقائد المسيرة بألف خير.

الرأي 20/3/2016 صفحة 25

مع صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال بمناسبة عيد ميلاد سموه 2015

  بقلم: عبد الله كنعان

20/3/2015

اليوم عيد ميلاد سموكم - صباح الخير سيدي

تعودت بمناسبة ذكرى مولدكم الكريم الذي يصادف هذا اليوم مع أجمل وأحلى عيد في الدنيا عيد الأم - أن أبعث لسموكم برسالة تهنئة وأخط فيها ما يجول بخاطري والخواطر كثيرة فصحبة تزيد عن ثلاثين عاماً، لا نفترق فيها إلا مساءً أو قرب منتصف الليل عملاً متواصلاً حتى عند الإجازات أو المغادرات خارج البلاد كنتم سموكم على اتصال مع العاملين بمعيتكم وأنا أحدهم. كل هذه السنين مليئة بما تحويه من قصص وذكريات حلوها ومرها... تشكل في مجموعها قصة حب لتراب الأردن وسمائه وجباله وهضابه، فقد تعلمنا من سموكم كيف يكون حب الوطن كيف يترجم إلى أفعال، فقد لمسنا كيف تحب الأردن فأحببناه، وكيف تحب أهل الأردن شماله وجنوبه وشرقه وغربه فأحببناه، وكيف تحب الإخلاص والوفاء للعرش فأحببناه، ومن قصص الحب هنا وهناك نستذكر كيف كنتم يا سيدي تقفون إلى جانب شقيقكم الحسين الباني رحمه الله وقوف الابن إلى جانب والده والأخ إلى جانب شقيقه والتلميذ إلى جانب معلمه، كنتم يا سيدي مع حبيب الأردن وأهله رحمه الله مخلصاً وفياً وركناً رئيسياً في بناء الأردن والمحافظة على أمنه واستقراره على عرشه ونظامه فلم يكن ليغمض لكم جفن إلا وقد شعرتم بأنكم أنجزتم شيئاً يساعد الحسين على تأدية رسالته في خدمة الأردن والعرب وعلى رأس ذلك فلسطين والقدس والعمل على تحريرها.

سيدي لقد كنتُ وكل الزملاء والزميلات نرقب تضحياتكم وإخلاصكم وتفانيكم كيف لا ونحن نذكر بعد نظركم وقوة بصركم وبصيرتكم واستشرافكم للمستقبل، فقد كنتم ولا زلتم أميراً عربياً قرشياً هاشمياً، أميراً وطنياً وإنسانياً، أمير الفكر والكلمة الهادفة، أمير المواقف المشرفة، لا يهادن ولا يساوم ولا ينافق، جريئاً صادقاً في قول الحق لا يساوم على القضايا الوطنية والعربية والإسلامية والإنسانية ولم لا تكون كذلك سيدي وقد كنتم في مدرسة الحسين رحمه الله ذلك الملك الإنسان الذي شهد له العالم أجمع بأنه يشكل نموذجاً سياسياً ودبلوماسياً فريداً في عالمنا المعاصر، مدرسة لو قدر لها أن تشق طريقها كما أرادت لما وجدنا وطننا العربي بكل دوله ومكوناته يعيش في حالة صراع وتشرذم بلغ حد الاحتراب الطائفي والعرقي والقبلي والعشائري والمذهبي، وفي ظل ما عليه أمتنا دعوتم سموكم إلى اعتماد الشورى وتساءلتم: "إذا كانت الأمم الغابرة في الماضي السحيق تمسكت بالشورى وقادتها إلى سمو الرأي ورشد الممارسة فما بالنا اليوم نتخلى عنها.؟ وإذا كان الأمر شورى بيننا نحن أهل السنة والجماعة وشيعة أهل البيت، والأباضية وغيرهم الذين يشكلون مع بعضهم المذاهب الإسلامية السبعة فلماذا نختلف ولا نأتلف؟ فالشورى تعزز قيمة الحوار وتقارب وجهات النظر وتصنع إطاراً مناسباً لاستيعاب الاختلافات المذهبية التي ما جاءت إلا رحمة للأمة، أو هكذا ينبغي أن تكون. بغية احترام التنوع والتعددية التي قامت عليها الحضارة الإسلامية منذ نشأتها الأولى في عهد الرسالة والدعوة المحمدية.

ولا يفوتني سيدي إلا أن استذكر الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون العالمية التي منحتكم جائزة التسامح لعام 2014 في مدينة كولونيا غرب ألمانيا تقديراً لجهودكم المتواصلة في تعزيز قيم التسامح الإنساني وقبول الآخر والمشتركات الكونية وتثميناً لإسهاماتكم الكبيرة والتزامكم بتعميق الفهم والتفاهم المتبادل بين الأمم والشعوب، وأذكر عندما تسلم سموكم جائزة "ابن رشد الدولية" قلتم: "إن استحضار ابن رشد اليوم هو من أجل المساهمة في تجديد الثقافة العربية الإسلامية من الداخل لمواجهة دعوات التكفير والانغلاق والتزمت والإقصاء التي تفرق ولا توحد".

نعم سيدي لقد رحل الحسين بعد أن سلم القيادة إلى ابنه جلالة الملك عبد الله الثاني الذي تخرج من هذه المدرسة ونحن نراه يعمل جاهداً بكل جدارة وبراعة وحنكة وخلف قيادته شعب يلتف حوله ويقف إلى جانبه لخدمة الأردن والحفاظ عليه وعلى أمنه واستقراره في ظل وضع عربي يعيش الفوضى الخلاقة المبشرين بها منذ سنوات. فليحفظه الله ويرعاه.

سيدي سمو الأمير لا يتسع المجال للشرح وذكر كل شيء من خلال قصة الحب التي ذكرتها إلا أنني استذكر من تطلعاتكم وشهادة الكثيرين من الكبار في هذا العالم بأنكم صاحب رؤيا وفكر وعلم. على مستوى عربي ودولي، يحلم بأن يكون الأردن سنغافورة الشرق مثل بقية دول العالم المتقدم.

سيدي إن ما آلت إليه أمتنا من المحيط إلى الخليج وحروبها بعضها مع بعض يجعلنا نستذكر كيف كان استشرافكم للمستقبل كبيراً فدعوتم لتأسيس "منظمة للأمن والتعاون الإقليمي" على غرار منظمة "الأمن والتعاون الأوروبي" التي انتهت إلى ولادة الاتحاد الأوروبي بمؤسساته التشريعية والتنظيمية والذي يضم حالياً (28) دولة عضواً من بينها العديد من دول أوروبا الشرقية التي كانت أعضاء في حلف وارسو بزعامة الاتحاد السوفياتي آنذاك؟ كما دعوتم سموكم لإنشاء محكمة عربية للفصل في النزاعات العربية العربية بعيداً عن تدخل القوى الدولية والإقليمية ذات الأجندات الخاصة المرتبطة بمصالحها الحيوية الدولية والإقليمية وأخرى محكمة جنائية على غرار المحكمة الجنائية الدولية تعني بالتحقيق والفصل في مسائل اختراقات حقوق الإنسان العربي ومحاكمة منتهكيها بهذا الشكل أو ذاك؟ وكذلك دعوات سموكم المتكررة إلى ضرورة اعتماد الحاكمية الرشيدة أسلوباً للحكم وتصالح الحكام العرب والمسلمين مع شعوبهم، فهذا هو النهج الوحيد الكفيل بتأمين الاستقرار السياسي والأمني للأنظمة السياسية العربية كيانات وشعوباً حاضراً ومستقبلاً وكم طالبتم بـ "ضرورة أن نخطط لأنفسنا قبل أن يخطط لنا" حيث جاء الواقع العربي الذي نعيش منذ احتلال العراق مصداقاً لتخوفات وتحذيرات سموكم ولا يفوتني أن أذكر سعيكم بتشكيل لجنة من أجل تطوير التعليم بغية انتهاج سياسة تربوية تعليمية لا تسهم في تمكيننا من اللحاق بركب التقدم العلمي والتكنولوجي فحسب، بل تشكل تحصيناً لمجتمعاتنا العربية ولشبابنا من الغلو والتطرف، الذي بات ينخر مجتمعاتنا العربية بالقتل على الاسم والهوية؟

وكم حاولتم سيدي من أجل تحقيق التكافل والتضامن المجتمعي فدعوتم منذ أكثر من عقدين ولا زلتم إلى إنشاء صندوق عالمي للزكاة يسهم في رفع المستوى المعيشي للفقراء وتحقيق العدالة الاجتماعية ويحصن المجتمع مما عرف في الأدبيات السياسية بالصراع الطبقي. فلو تم إنشاء هذا الصندوق فلن تجد فقيراً أو محتاجاً في أي من العالمين العربي والإسلامي على الإطلاق ولأصبح التآخي بين الناس عنوان المحبة والوئام إلى جانب بعده السياسي الذي يخلص أمتنا من التبعية والحاجة إلى الآخرين؟ وكم مرة ومرة استذكرتم سيدي قول أخيكم الحسين رحمه الله "فلنبني هذا البلد ولنخدم هذه الأمة" لتكون عنواناً لتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة التي كانت شعار عملكم ونهجكم. وكم أكدتم على تغليب صوت العقل والحكمة لتجنيب المنطقة الكثير من الأزمات وأهمية العمل المشترك من أجل بناء نظام إنساني يؤكد حق الحياة الكريمة للإنسان ويحقق الأمن ويعزز الاستقرار للأجيال القادمة، ودعوتم سموكم إلى التركيز على المعاني والمعايير الإنسانية المشتركة التي وردت في الديانات السماوية وتأكيد قيمة التضامن الإنساني التي يجب أن نلتزم بها جميعاً وجعل الكرامة الإنسانية تتقدم كافة جهود التنمية لما لها من أثر في الأمن والاستقرار.

سيدي نشعر معكم بالألم الذي يساوركم نتيجة الفرقة والهوان الذي يمر بأمتنا وما تشعرون به من ألم وعذاب ومرارة ونستذكر قولكم تعبيراً عن الحسرة: "مع شديد الأسف نحن العرب لسنا بحاجة إلى أعداء نحن خصوم بعضنا البعض مدى التاريخ المعاصر". وتعبيراً عن الحزن الشديد الذي يملأ صدركم دعوتم سيدي في إحدى الاجتماعات الدولية إلى توسيع أهداف القانون الدولي لتشمل قانوناً للسلام يشتمل على مجموعة من القوانين ترتبط مباشرة برفاهية الإنسان واستقراره، وذكرتم: "نحن نقضي كثيراً من وقتنا في مناقشة طريقة شن الحروب بينما نحتاج الآن وأكثر من أي وقت مضى للحديث عن كيفية صنع السلام"، ومن أجل بناء ثقافة السلام دعوتم إلى بناء الفكر المعاصر والانفتاح الفكري وانتهاج الوسطية والاعتدال والتسامح بدلاً من الانعزال والتعصب والانغلاق والتمترس خلف أفكار لم تعد تصلح لعصرنا وبالتالي تمهد البيئة الصالحة لبناء ثقافة السلام المشترك بين مختلف الأطياف والتيارات والفئات والجماعات

أما القضية الفلسطينية والقدس لب القضية فقد بح صوتكم وأنتم تنادون إلى ضرورة توحد الدول العربية حول القضية وهي  جوهر الصراع الإسرائيلي العربي وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بما يجبر إسرائيل على الاذعان لارادة المجتمع الدولي بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة والقدس في مقدمتها تمهيداً للوصول إلى سلام عادل ودائم وشامل قوامه قيام دولة فلسطينية وعاصمتها الشطر الشرقي من القدس؟

وكم حذرتم من مخاطر سياسة إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، التهويدية واخطرها الاستيطان الذي أطلق عليه سموكم الاستعمار الإحلالي للأراضي العربية المحتلة وبخاصة القدس المحتلة بهدف فرض سياسة الأمر الواقع على العرب بعامة والفلسطينيين بخاصة، فكنتم السباقين بالتدليل على ذلك من خلال توجيهكم بوضع خارطة لفلسطين بأكملها في مكتبكم تؤشر على التطور الاستيطاني الاستعماري الاحلالي لسلطات الاحتلال بدءاً من إنشاء أول مستعمرة استيطانية إحلالية في القدس والتي اخذت تلتهم الجزء الأعظم من الأراضي العربية المحتلة وبخاصة في الشطر الشرقي من القدس بما حفز الأخوة من المسؤولين الفلسطينيين وعلى رأسهم الرئيس الراحل ياسر عرفات لدى إطلاعكم إياه أثناء إحدى زياراته لعمان؟ ونصيحتكم المفاوضين العرب بعامة والفلسطينيين بخاصة من مخاطر تأجيل قضية القدس الى مفاوضات الوضع النهائي وتشديدكم سيدي على وجوب أن تكون على رأس قائمة جدول أعمال مفاوضاتهم مع إسرائيل؟ ولكن ما من أذن صاغية فكانت الطامة الكبرى أن عززت إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، من وجودها الاستيطاني الاستعماري الاحلالي في القدس وباقي الضفة الغربية كما نراه ونشاهده الآن.

أما محاولات الدس والايقاع بين أبناء الأردن فقد استطعتم سموكم وأدها في مهدها في ضوء توجيهات جلالة المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه لتعزيز اللحمة الوطنية بين مختلف مكونات الشعب العربي في الأردن وفلسطين وبخاصة التعايش الإسلامي المسيحي وقيادتكم لحوار المذاهب والأديان وحضوركم الدائم في جميع المحافل والفعاليات ذات الصلة بتعايش أتباع الرسالات السماوية الثلاث؟ وتأكيدكم المتكرر على أهمية رسالةعمان التي رعاها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين والتي ظللتم تشددون على ضرورة نشرها على أوسع نطاق عالمي بما يدفع تهمة الإرهاب الظالمة التي يحاول أعداء الإسلام إلصقها به؟

أجل لم يبق لي سوى أن أؤكد مجدداً أن الحديث بمناسبة ذكرى مولدكم الكريم يطول ويطول ولن يكون بمقدوري ولا غيري الإحاطة بكل ما تحويه شخصيتكم الموسوعية فكراً ومنهجاً سياسياً وطنياً وعربياً وإسلامياً والتي لا يتسع المقام لذكرها.

وختاماً لكم سيدي وللعائلة الكريمة وللأسرة الهاشمية وراعيها وحامي مسيرة شعبنا الأردني العظيم، جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين خالص المحبة والإجلال والتقدير، وكل عام وأنتم جميعاً بألف خير.

رسالة مفتوحة إلى صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال بمناسبة عيد ميلاد سموه حفظه الله 2014

رسالة مفتوحة إلى صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال بمناسبة عيد ميلاد سموه حفظه الله

عبد الله كنعان *

سيدي سمو الأمير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

بمناسبة عيد ميلاد سموكم جلست أفكر ماذا أكتب وماذا أقول .... وجلت في خاطري استعرض شريط السنين التي مضت وزادت على خمسة وثلاثين عاماً، كنت ولا زلت أعمل بمعية سموكم... سنين مضت بحلاوتها ومرها... وليلها ونهارها ... ماذا أكتب غير الذي سبق أن كتبته بمثل هذه المناسبة العزيزة، ....

هل أكتب عن حبكم وإخلاصكم ووفائكم للأردن وأهله وعرشه ونظامه ... أم أكتب عن رجاحة عقلكم وسعة صدركم وطيبتكم عندما قابلتم إحالتكم على التقاعد من ولاية العهد، بروح المحب والمخلص والوفي فوقفتم إلى جانب ابن أخيكم الذي تحبه ويحبكم جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله مهنئاً وكيف لا وأنتم نعم العم الكبير ونعم رجل الدولة والوطن فحافظتم على وحدة الأردن وأهله الذين أكبروا فيكم محبتكم ووفائكم والذين أحببتهم وأحبوك فكنتم يا سيدي موضع الإعجاب والتقدير والاحترام داخل الأردن وخارجه، كما فوتُّم الفرصة على كل من كانت تسول له نفسه الدس وإيقاع الخلاف. لقد كان ذلك نابعاً من تربيتكم الأصيلة ووطنيتكم ومشاعركم القومية، وقبل كل ذلك، نابع من جذوركم وكيف لا وجدكم نبي الأمة ورسولها الأعظم عليه الصلاة والسلام. ذلك أن جل اهتمامكم كان ولا يزال رفعة الأردن ونهضته ورفعة شأنه.

لقد عملت وزملائي بمعيتكم لنشهد حرصكم وحلمكم ومحاولاتكم المتكررة ليكون الأردن سويسرا العرب أو سنغافورة ثانية في هذا العالم وليعم الأمن والاستقرار في نفوس أبنائه ولم يتحقق الحلم الكبير بسبب تراكم الأحداث في المنطقة.

فقد كنتم سيدي زميلاً ورفيقاً لكل أبناء الأردن دون تمييز، عرفوك وعرفتهم بأسمائهم وعشائرهم وعائلاتهم.

 

سيدي سمو الأمير،

لقد تعلمنا من جدكم وجلدكم ووفائكم وإخلاصكم للعرش الهاشمي معنى الوفاء والانتماء فقد أعطيتم من فكركم وجهدكم ووقتكم الكثير من أجل رفعة الأردن وشأنه، وكنتم حريصاً على تطوير وتنفيذ المشاريع لتركيز دعائم مؤسسات الدولة الأردنية المختلفة، فأمرتم بتأسيس المنتديات الفكرية المتعددة فكنتم ولا زلتم الأب الروحي والموجه لها حيث تستمد من فكركم العزيمة وتعمل على تجسيد تطلعاتكم لبناء الوطن على أرض الواقع.

          كما قُدْتم العديد من المؤسسات التي استمدت من عزيمتكم القوة والإرادة، فأسهمتم في نهضة وتقدم الأردن من جميع النواحي الفكرية والتكنولوجية والاقتصادية والسياسية والرياضية وغيرها، وما زالت هذه المؤسسات شامخة تعمل لخدمة الأردن العزيز.

ولم تقتصر جهودكم سيدي على الصعيد الأردني، بل تعدى ذلك إلى المستوى العربي والإسلامي والعالمي، فناديتم بجمع الكلمة وتوحيد الصف مستشعراً الأخطار المحدقة بالعالم العربي والإسلامي، ودعوتم في المنتديات والمنظمات واللقاءات والمحافل الدولية إلى ضرورة الارتقاء بالإنسانية وتجنب ما يعكر صفو الأمم، والعمل على التقريب بين المذاهب والأديان، وتفهم المشكلات العالمية كالفقر وشح الموارد وغيرها، ووضعتم لحلها المقترحات المناسبة، كما حذرتم من خطورة التطرف وعدم الاعتراف بالرأي الآخر، ونبهتم إلى خطورة ما تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي من اعتداءات ممنهجة في الضفة الغربية عامة والقدس خاصة وأهمها الاستيطان والاعتداءات على مقدساتها وكم قلتم وناديتم «لنخطط لأنفسنا قبل أن يخطط لنا» .. ولكن لا حياة  لمن تنادي.

لكل ذلك فقد حظيتم باحترام وتقدير الجميع من الأجانب والعرب سواء بسواء فكنتم عالماً متواضعاً مخلصاً في عملكم وتطلعاتكم الإنسانية، واضعاً نصب عينيكم المصلحة الأردنية والعربية فوق كل اعتبار.

 

ان في سيرتكم ومسيرتكم سيدي ما يستحق أن تعرفه الأجيال مما يأسر بعلو همته وقوة عزيمته قلوب الجميع، فقد كنتم ملاذاً للكثيرين وأنيساً لهم عند الشدائد والمحن، وقد تعلمنا من أرائكم السديدة ومتابعاتكم الدقيقة الكثير، ودماثة الخلق وحسن التصرف في المواقف، وأدب الحوار، والحنو على الفقير، وإعطاء المحتاج دون مِنّه، وفي سيرة سموكم أيضاً رصيداً من العلاقات العربية والإسلامية والدولية ما لا يمكن عده أو حصره حتى أصبحتم موضع الحفاوة والتكرم وخاصة على المستوى الدولي كلٍ يريد أن تنضم إليه أو  تشاركه في عضوية أو رئاسة مؤسسة إقليمية ودولية وما أعرفه أن سموكم رئيساً وعضواً ومشاركاً في أكثر من أربعين مؤسسة ومنتدى على الصعيدين الأردني والدولي.

فلا أرى شيئاً تغير مما عرفتكم فيه طيلة تلك السنيين قمةً في الخلق والرجولة والسمو على الصغائر نموذجاً في التواضع والإخلاص والوفاء للعرش وللأهل والعشيرة الأردنية الواحدة.

فجاحد ومخطئ وأعمى بصر وبصيرة من ينكر دوركم في بناء الأردن والمحافظة على نظامه والحرص على أمنه واستقراره.

 

سيدي سمو الأمير،

نحن الذين كنا معكم ... نشهد أنكم كنتم تخشون دائماً بلقنة المنطقة العربية، ومن النزاعات الإقليمية والخلافات الطائفية والمذهبية وتحذر وتنادي فحاولتم جهدكم قدر ما تستطيعون سموكم للتقريب بين المذاهب وعقدتم جلسات وندوات ولقاءات لهذه الغاية، انطلاقاً من بُعد نظركم وقد حصل ما كان سموكم يخشاه من قتال بين الأخ وأخيه على الهوية والمذهب والدين والطائفة والقبيلة والعشيرة، بل والأدهى على العائلة أو اللغة واللهجة ... وقد حمانا الله في هذا البلد العزيز بفضل قيادته الهاشمية ووعي أبنائه وتماسكهم وتوحيد كلمتهم في السراء والضراء وهم يشاهدون ما حل بإخوانهم بكل أسى وحزن وألم كبير.

 

سيدي سمو الأمير،

قبل أيام زارني صديق يحبكم كثيراً قال لي: آه كم كنت أتمنى لو أنني أديباً لأكتب بهذه المناسبة لسموه أجمل العبارات أو شاعراً لنظمت فيه أجمل الأبيات، أو موسيقاراً لعزفت لسموه أجمل الألحان، أو كنت ولياً لدعوت له براحة الفكر وهدوء البال وتمام الصحة والعافية، لا نملك يا سيدي شيئاً نقدمه لكم هدية بمناسبة عيد ميلاد سموكم سوى هذه الكلمات فلكم منى سيدي في عيد ميلادكم الميمون ألف تحية وتهنئة مقرونة بالمحبة والإخلاص والوفاء والدعاء إلى الله العلي القدير أن يحفظكم ويطيل في عمركم، وأن يمدكم والعائلة الكريمة بموفور الصحة والسعادة وراحة البال، وأن يحفظ الأردن وأهله وقيادته الهاشمية من كل سوء ومكروه وأن يجعله آمناً مستقراً على الدوام.

 

وتفضلوا سيدي بقبول فائق الاحترام والتقدير،

 

وكل عام وأنتم بخير

20/3/2014

* أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

ذكرى ميلاد صاحب السمو الملكي الامير الحسن بن طلال 2013

عبد الله توفيق كنعان

 

سيدي سمو الامير حفظك الله ورعاك

في ذكرى ميلاد سموكم، يمر في خاطري وكل المحبين والمخلصين اردنيين وغير اردنيين، شريط وثائقي يحكي قصة كل السنين التي مضت، منذ ولادتكم حتى الان، فهي قصة تاريخ الاردن بشكل خاص والوطن العربي بشكل عام، فلم تكن علاقة سموكم عادية كاي انسان آخر، يعمل ويأكل ويشرب وينام، بل كانت علاقة حياة مع ارض الاردن واهله، وكل من يقيم تحت سمائه، وعلاقة حياة مع الوطن العربي فكريا وثقافياً وسياسياً ... لهذا يا سيدي ارى نفسي حائراً، من اين ابدأ في استعراض هذا الشريط ... وتتزاحم الخواطر ... ماذا اقول ... وماذا اقدم ... وماذا أؤخر ... وبماذا اجهر ... واكثر ما يكون كل ذلك عصياً على من كان لهم شرف العمل بمعيتكم لعقود طويلة وهم كثر... وانا واحد منهم ... وانا في تلك الحيرة من خواطري، اجد نفسي مستجيباً لمشاعري نحوكم، فاسرع الى قلمي لاسطر بعضاً منها، مع كل اطلالة لهذه المناسبة العزيزة على قلب اسرتكم الكريمة، وقد تكون عزيزة على قلب من كان له شرف العمل الى جانبكم وانتم تصلون الليل بالنهار، تعملون دون كلل او ملل، تجوبون الاردن من شماله الى جنوبه، ومن شرقه الى غربه، في المدن والقرى والبادية، تقفون على حال الاهل مدنيين وعسكريين، وتتعرفون عليهم بالاسم والمكان، كل ذلك لخدمة الاردن ملكاً وشعباً في جميع المجالات، ولا استثني مجالاً منها، وكذلك تعملون لخدمة قضايا امتنا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وجوهرها قضية القدس ومقدساتها، وهي محور الصراع الاسرائيلي العربي، فالقدس بأبعادها الدينية والوطنية والعربية والاسلامية والانسانية سكنت منكم الفؤاد، واستحوذت عليكم العقل والوجدان، وظلت تعيش ولا تزال معكم تشاطركم يومكم صباح مساء، الامر الذي وجد ترجمته العملية في شعاركم المحوري "القدس في الضمير" لتبقى القدس العنوان الذي يحرك فينا معشر العرب والمسلمين خاصة، ولدى مفكري الامة ومخططيها الاستراتيجيين العقل والضمير والوجدان عامة.

 

سيدي سمو الأمير ...

انني وكثيرون غيري باستذكارنا لهذه المناسبة العزيزة علينا، والمحببة الى قلوبنا، لا نقدم على ذلك من باب التبجح بحبنا واخلاصنا لكم، وقربنا الوجداني منكم، بل لاننا نرى في كل ذلك تعبيراً صادقاً عن حبنا وولاءنا واخلاصنا ووفاءنا للاردن واهله، ولقيادته الهاشمية وتاريخهما السياسي، الحافل بكثير من صفحات المجد والبناء والتضحية والدفاع عن حمى الاردن وفلسطين وطناً وقيماً، وعن ثغر من ثغور وطننا العربي الكبير وامتنا الاسلامية ... ولاننا على يقين تام بأن ذلك يتفق تماماً ما عملتم من اجله وسعيتم على بلوغه، على مدى العقود التي خدمتم بها الاردن والوطن العربي والامة الاسلامية، من خلال ما اوكل اليكم من مهام جنباً الى جنب مع جلالة اخيكم المغفور له باذن الله تعالى الحسين بن طلال رحمه الله، وحرصكم على الاستمرار في خدمة الاردن والامة، في كل ما يوكل اليكم من مهام وطنية وانسانية استجابة لما يطلبه اليكم ابن اخيكم جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله ورعاه.

 

سيدي سمو الامير ...

اجل لا يسعنا الا ان نستذكر شريط الاحداث التي مر بها وطننا الاردن الحبيب، ومحيطه العربي والاسلامي، مع كل عام تودعون واخر تستقبلون، اقول ... نستذكر من باب المحبة والتقدير والشكر والعرفان، على ما تعلمناه منكم من دروس في الانتماء للوطن، والولاء للاسرة الهاشمية، ووصل النهار بالليل خدمة للوطن والامة وانتهاج السلوك القويم والتواضع بدون حدود، مع كل من قصد مكتبكم او التقاكم يطلب حاجة، او يعرض امراً، على اختلاف مناصبهم ومراكزهم ومواقعهم الرسمية وغيرها، كل حسب وضعه ... فقد كنا جنوداً مخلصين، تربينا على حب العمل والسهر على مصالح المواطنين، على امتداد ربوع الاردن الغالي، كل ذلك تعلمناه منكم، فقد كنتم قدوتنا بالعمل لساعات طوال وفي كثير من الاحيان الى جوف الليل دون ان نكل او نمل، او يتسرب الوهن الى النفوس او تغفو العقول او تكل الارادة.

 

سيدي سمو الامير،،،

يقيناً انني لن اكون قادراً على التوقف عند كل الدوافع التي تملي علينا الوقوف عند ذكرى ميلادكم من كل عام، ولكنني اعتقد جازماً بانها ذات طبيعة يلتحم بها الوطني والقومي والاسلامي والانساني، فانتم سمو الامير لم تعودوا علماً اردنياً فحسب، بل رمزا عربيا واسلاميا وانسانيا عالميا، يصعب معه عدم التوقف عند ذكر ميلادكم السنوي، وانني اتقدم من سموكم ومن اسرتكم الكريمة باحر التهاني، مجدداً لكم العهد بأن نبقى جنداً أوفياء للاردن ولقضاياه في ظل قيادتنا الهاشمية الرائدة معرباً لكم عن اسمى آيات المحبة والتقدير سائلين الله العلي القدير ان يسكن نفوسكم راحة الفكر وهدوء البال وان يديم عليكم موفور الصحة والعافية.

 

وكل عام وانتم بخير

 

الغد 20/3/2013 صفحة 27

الأمير المواطن .. المواطن الأمير 2012

عبدالله كنعان

سيدي سمو الأمير حفظك الله ورعاك وأدام على الحق خطاك، عمتم صباحا سيدي أنتم والعائلة الكريمة. ويسرني مع إشراقة صباح هذا اليوم الربيعي الجميل، وبمناسبة ذكرى مولدكم الكريم الذي يصادف هذا اليوم مع عيد أجمل وأحلى من في الدنيا عيد الأم، أن أبعث لسموكم بأحر التهاني وأصدق الأماني، سائلا الله العلي القدير أن يديم عليكم موفور الصحة والعافية ويظلل صباحكم والأسرة الكريمة بالسعادة والهناء، إنه سميع مجيب.

في ذكرى مولدكم سمو الأمير، يصعب على من تشرف بخدمتكم "حيث كرستم إمكاناتكم وقدراتكم وخبراتكم لرفعة العرش والوطن"، أن تفوته فرصة اللقاء بكم ذهنياً ووجدانياً وفكرياً على أقل تقدير، فأنتم أيها الأمير المواطن والمواطن الأمير، أخذتم حيزاً كبيراً، وسجلتم أروع المآثر في الحب والنبل والوفاء والإخلاص لهذا البلد العزيز، بكل أهله ومكوناته. وقد تمثل كل ذلك في فكركم الإنساني النبيل، وخلقكم الرفيع، وأبوتكم الرقيقة، وعطائكم اللامتناهي، وتساميكم فوق الجراح والإساءات وسياسات الغمز واللمز، ونبذ الحقد والأحقاد، واستبسالكم في الدفاع عن حقوق الإنسان والشعوب وأمنهم النفسي والروحي والمادي، وجرأتكم المطلقة على قول كلمة الحق دون أن تأخذكم في ذلك لومة لائم. وصدقكم مع الآخر، أصدقاء وخصوماً، وصراحتكم اللامتناهية حتى مع من يناصبون الأردن والأمة العربية العداء، ما ظهر منه وما استتر، وحرصكم على السِلم والأمن إقليمياً ودولياً، والإسهام الفعال في البحث عن السبل الكفيلة بتخليص منطقتنا العربية والعالم من ويلات الصراعات والحروب، والانتقال بالعالم من وضع يتهدد وجود البشرية على مختلف وتعدد أشكاله، إلى عالم يسوده العدالة والمساواة، وعدم اللجوء إلى استخدام القوة لحل الصراعات أو التهديد باستخدامها تحقيقاً لمآرب وأهداف سياسية أو نفعية، وسيادة القانون الدولي وسموه على القوانين الوطنية لكل دول العالم دونما استثناء لأي دولة مهما كان حجمها وقوتها ومصادر تلك القوة.

فأنتم سيدي سمو الأمير لكل ما سبق ذكره قد نلتم التقدير والاحترام والإعجاب، من كل الذين عرفوك في الخارج والداخل، وعلى جميع المستويات الدولية والإقليمية والمحلية. ليس هذا فحسب، فقد حددتم مكانتكم وطنياً وإقليمياً ودولياً.

فالعالم بمفكريه وسياسييه وعلمائه يقر لكم بسمو الخلق والأخلاق، ورفعة المكانة، وجلاء الفكر، وجرأة الموقف، وسداد الرأي.

سيدي صاحب السمو،

حديثي بمناسبة عيد ميلادكم الخامس والستين قد يكون هذه المرة خارجاً عن المألوف لأسباب أهمها أنه يأتي في ظل ظروف عربية وإقليمية ودولية بالغة التعقيد، أبرزها ما درج على تسميته في الأوساط السياسية والإعلامية بالربيع العربي.. الربيع العربي وانعكاساته على بلدنا الحبيب الأردن؛ وهو ما حاولتم تسليط الأضواء عليه في حديثكم إلى التلفزيون الأردني من خلال برنامج "ستون دقيقة". فقد تناولتم في تلك الحلقة من برنامج "ستون دقيقة" وبمنهج نقدي "الربيع العربي" بأبعاده وتجلياته وتداعياته الوطنية والعربية والإقليمية والدولية. ولكن حديثكم هذه المرة كان هو الآخر مغايراً، لغة وأسلوباً وتعبيراً، عن كل أحاديثكم السابقة. في هذه المرة تحدثتم بلغة المواطن الأمير وليس الأمير المواطن؛ وهو أسلوب لم يتعود عليه مواطننا الكريم.

فالمواطن الأردني، وحتى العربي، اعتاد على حديث الأمير المواطن، وفارس الكلمة، ورجل الدولة ذي الأفق الإنساني العالمي. مواطننا الأردني لم يعتد عليكم متحدثاً بلغة المواطن الأمير الذي ينتمي إلى عشيرة أو قبيلة مثل سائر الأردنيين الذين يحق لهم التفاخر بأصولهم وانتماءاتهم العشائرية والقبلية ويحتمون بها عند الضرورة، وإن كان المواطنون الأردنيون يجمعون على الولاء للأسرة الهاشمية، فإن البعض منهم على ما يبدو غير مهيئين لاستقبال حديث المواطن الأمير، ولو من باب المناظرة والرأي والرأي الآخر، لأنهم لا يرون في غير الأردن والأردنيين أسرة للهاشميين ملوكا وأمراء. وهذا يندرج تحت باب المحبة والغيرة أن لا تكون الأسرة الهاشمية إلا لهم. وهذا فخر لكم سيدي وللأسرة الهاشمية وراعيها سيد البلاد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه. ولهذا كانت ردود فعل المواطن الأردني على حديثكم متنوعة ومختلفة.

ولكنني وإن كنت لا أريد، وليس بنيتي أن أدافع عن أو أبرر لأصحاب بعض الأصوات التي بدرت هنا أو هناك والتي حاولت بعض المواقع الالكترونية والقنوات العربية تضخيمها لأسباب كثيرة لا مجال للدخول فيها، فانه يمكن لي بالعموم تصنيف ردود فعل النخب السياسية والإعلامية والعامة على حديثكم لبرنامج "ستون دقيقة" في أربع فئات:

الفئة الأولى: وهي الفئة العظمى التي فوجئت بأسلوب للمخاطبة لم تتعوده من قبل؛ فهي كما أسلفت اعتادت على خطابات وأحاديث الأمير المواطن وليس المواطن الأمير الذي لديه مشاعر وأحاسيس وطبيعة إنسانية شأنه شأن سائر البشر.

الفئة الثانية: وهي التي على ما يبدو لم تكن قادرة على استقبال الرسالة التي وددتم إيصالها للمواطن الأردني والعربي في هذه المرحلة بالذات، مرحلة المخاضات العربية بأبعادها الإقليمية والدولية.

الفئة الثالثة: وهي التي تعمدت في تقديري تشويه الرسالة التي وددتم إيصالها للأمتين العربية والإسلامية وللعالم، بهدف دغدغة العواطف واللعب على وتر الوضع المجتمعي المتوتر وطنياً نوعاً ما، والمتأزم عربيا وإقليمياً إلى حد لا يستهان به. وهو ما حاولتم بحديثكم التلفزيوني إيضاحه للأردنيين والعرب والمسلمين.

الفئة الرابعة: وهم القلة القليلة الذين بحكم العمل طويلاً في معيتكم قد أدركوا موجبات ومسوغات حديثكم التلفزيوني والرسائل التي ووددتم أن تبعثوا بها إلى العرب والمسلمين في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ أمتينا العربية والإسلامية.

وأخيراً وليس آخرا، أقول إن سجل مسيرتكم المباركة يشهد بأنكم كنتم الأب والأخ والصديق لكل الأردنيين، بعشائرهم وشيوخهم وأبنائهم، تماماً مثلما كانوا لكم هم الأهل والعشيرة والعزوة.

سيدي سمو الأمير الحسن بن طلال،

حفظكم الله والعائلة الكريمة، وأمد في عمركم، ووفقكم والأسرة الهاشمية بقيادة مولاي صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لخدمة الأردن والقدس والأمتين العربية والإسلامية.

الغد 21/3/2012م ص21

رسالة إلى صاحب السمو الأمير الحسن بن طلال في عيد ميلاده 2011

عبد الله كنعان

في ذكرى عيد ميلادك يا سيدي، تمر بخاطري سنوات العمر التي عشناها نعمل بمعيتكم كشريط الأخبار.. يختزل كل السنين ببضع دقائق.. حلوها ومرها.. صيفها وشتائها.. خريفها وربيعها. سنوات مضت كلمح البصر وكأنها بالأمس.. كنا خلالها نعمل بمعيتكم.. ونصل النهار بالليل.. نحاول اللحاق بكم. فقد كانت خطواتكم سريعة.. وطلباتكم لا تنتهي.. حتى إن أحد مديري مكتبكم كان يقول لي إذا جلستَ بمعية سمو الأمير في اجتماع أو لقاء مع آخرين فحاول أن لا تنظر إلى سموه.. سألته: لماذا؟ قال: سيكلفك بمهمة فوراً.. فنضحك، ونستعرض معاً مائة تكليف وتكليف.. لم تخطر على بال أحد.. ولم يكن يحلم بها المكلف.

حقاً يا سيدي كان العمل بمعيتكم ممتعاً، وكان مدرسة ما بعدها مدرسة.. لقد تعلمنا منكم كيف نسمو على صغائر الأمور، وكيف نكون كباراً في سلوكنا وتصرفاتنا وأقوالنا. علمتنا أن نكون رجال دولة، لا رجال وظيفة ومنصب.. علمتنا أن رجل الدولة للوطن كله.. شرقه وغربه، شماله وجنوبه.. لا يتكبر ولا يتجبر ولا يمشي في الأرض مرحاً ولا يختال ولا يتفاخر.. وعليه أن يكون صادقاً لا كاذباً، صريحاً لا منافقاً.. علمتنا التواضع والتسامح واحترام الصغير مثل الكبير والفقير مثل الغني.

حقاً كان العمل مجهداً وأحياناً مرهقاً، لكن كنا نشعر بسعادة ونعمل بمحبة لأن إنجازاً قد تم.. وخدمة للعرش والوطن قد قمنا بها. كنا نفخر ونعتز بما نقوم به.. ذلك أن أي واحد منا لم يكن ليفكر بنفسه لتحصيل مكسب أو مغنم.

علمتنا أن الإخلاص بالعمل، ورفع الظلم عن المظلوم والمقهور، وإعادة الحق إلى أصحابه، وتلمس حاجات الناس والمحتاجين، وأن سيادة القانون وترسيخ مفهوم المواطنة وتطبيقه.. هذه كلها الأساس في بناء الوطن وتثبيت دعائمه، وهي الأساس في وحدة أبنائه جميعهم. وهكذا يا سيدي كنا نشعر ونحن نعمل بمعيتكم، بأننا لسنا موظفين عاديين، بل أصحاب رسالة يريد سموكم إيصالها لكل الناس. ليس هذا فحسب.. فقد علمتنا أن لا وقت للهو.. فالوطن بحاجة إلى كل ساعة عمل لكي نلحق بركب من سبقونا. كنت يا سيدي تحلم "ومن حقك أن تحلم" بأن يقتدي الأردن بسنغافورة وماليزيا مهاتير محمد.

لقد علمتنا أن هناك احتلالاً لأرض عربية، وأن القدس يجب أن تتصدر جدول أعمال المفاوضات لا آخره.. كنت تحارب الاستيطان الإسرائيلي وسميته بمسماه الحقيقي "الاستعمار والمستعمرات" بدلاً من الاستيطان والمستوطنات، مركزاً على إقناع القاصي والداني بأنه العقبة الكأداء أمام السلام.

سيدي سمو الأمير،

كلما جاء عام وغادر عام.. والعمر يمتد بين فرحه وحزنه.. وألمه وسعادته.. نتذكر دعوتكم الدائمة بأن نمضي قدماً إلى الأمام وأن لا ننظر إلى الخلف كي لا نراوح مكاننا.. كنت تدعونا أن ننسى ساعات الحزن والألم ونبحث عن الفرح دائماً، وتقول: هذه سُنّة الحياة.. سيمضي كل شيء، وكل منصب زائل ولا بقاء إلا لله وحده.. فالإنسان لا يترك إلا عمله.. فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.

سيدي سمو الأمير،

في عيد ميلادكم، نستذكر كل العطاء والوفاء والتضحيات التي قدمتموها للعرش والوطن في جميع المجالات.. نستذكر نكرانكم للذات وكل أيامكم في حلكم وترحالكم. أجل يا سيدي، كنتم مدرسة وجامعة انتظمنا فيها من التمهيدي وتخرجنا منها نحمل أعلى الشهادات. فهنيئاً لكم على كل ما قدمتم وتركتم من أثر طيب وتاريخ مشرف، ليقتدي بسموكم كل الغيورين المخلصين لأمتهم ووطنهم.

سيدي،

كل ما نتمناه هو أن يكون الأردن وقيادته الهاشمية وسموكم بخير.. وكل عام وأنتم والعائلة الكريمة بألف خير.

22/3/2011

رسالة الى صاحب السمو الملكي الامير الحسن بن طلال بمناسبة عيد ميلاده الكريم 2010

سيدي سمو الامير :

في حياة كل انسان مفخرة ونعمة، انعم الله بها عليه في ذات يوم من ايامه، ومن حقه ان يتذكرها ويذكرها ويشكر الله على نعمه، واحمد الله تباركت آلاؤه، على كل ما انعم علي به من افضال، واحمده عز وجل الحمد كله على فضله، اذ اكرمني واعزني عندما قربني من سموكم لاعمل بمعيتكم في خدمة الاردن منذ ريعان الشباب ولسنين تعدت ربع قرن، وعشت ايامها تلميذاً في مدرسة الحسن بن طلال، فهي مجمع الخبرات والعلوم والتخصصات تماماً كالدوحة الشامخة التي لا تبخل بظلها وثمرها على محبيها وقاصديها. فكيف لا يكون العمل بمعية سموكم مفخرة ومدرسة وانت يا سيدي امير الخلق والاخلاق، امير امة وهبتموها النفس والنفيس سعيا لرفع شانها واعلاء مكانتها بين الامم ... فقد كنت يا سيدي منبع العطاء الفكري والانساني،  لا خدمة للاردن الذي من اجله عشتم وضحيتم فحسب، بل خدمة للانسانية جمعاء التي لا يختلف اثنان على انكم احد ابرز رموزها واكثر عناوينها حضورا مميزا، فانتم اليوم نموذج اهل الفكر والعلم والراي بلا منازع. وهذا ما يوقد في نفسي شرارة الكتابة كل ما اطلت علينا ذكرى ميلادكم سيدي.

 

ولكن ماذا عساي ان اقول بهذه المناسبة العزيزة؟ فانا كل ما امسكت قلمي لاخط ما يجول في خاطري تتملكني الحيرة لصعوبة لملمة افكاري وضبط مشاعري فتتزاحم الافكار وتتدافع العبارات... فاحار اي الافكار ادون واي الخواطر اسجل واي المشاعر افصح؟! ولا عجب، فالكتابة عن امير امة ليست كالكتابة عن امير عائلة ، فالعمل بمعيتكم سيدي لايقاس بالزمن بل  بالعطاء وايثار المصلحة العامة وخدمة الوطن والعرش والامة. عيد ميلادكم سيدي يُذكّر من كان له شرف الخدمة بمعيتكم بسلسلة من الاحداث والقصص والحكايات والروايات التي تعرف بداية ولكنها قد لا تعرف نهاية.. فهي تشكل جزءً هاما وحيويا من تاريخ هذا البلد. فقد كان العمل بمعيتكم سيدي له مذاق اخر بحكم تشعباته وتعدد مجالاته على الصعيدين الداخلي والخارجي ، سيما وان كل ذلك كان مرتبطا بخدمة الاردن وقضاياه ومصالحه الوطنية العليا. فكم هو جميل ان يشب المرء وينمو ويتربى ويترعرع على ان لا يدع الزمن يقتله، بل ان يقتل الزمن بالانجاز والتفاني بخدمة الوطن والمواطن. هكذا تربينا في مدرستكم، حيث لا وهن ولا كلل ولا ملل ولا طمع بمنصب، واي منصب اسمى من ان يعمل الانسان بمعيتكم، ولا طمع بكرسي، واي كرسي اعلى مقاما من كرسي متواضع في احد اجنحة مكتبكم، نستقوي به على الظالم. اجل كنا  نضرب بسيف ولائكم واخلاصكم للوطن والعرش انصافا لمظلوم وحماية لضعيف. فمكتبكم كان ديواناً للمظالم بحق، ينظر في كل القضايا ويقابل كل من له شكوى مهما كان شكلها او موضوعها.

 

سيدي سمو الامير!

 

من حقكم علينا ان نزجي لكم من الشكر اخلصه ... وان نستذكر بالخير سيرتكم الوطنية والقومية والانسانية العطرة، وان نذكر افضالكم ونسترجع نهر عطاءكم وخدماتكم الجلى لامتكم ووطنكم. وكيف بنا لا نفعل ذلك ونحن ابناء الوطن الذي نحب والعرش الذي نعشق ونفتديه بالغالي والنفيس، بعد ان عايشنا فكرا وروحا كيف كنتم توظفون كل طاقاتكم الذهنية والبدنية وكل امكاناتكم وقدراتكم وعلاقاتكم، لرفع اسم الاردن عاليا في سماء العروبة والانسانية، وحفظ امنه واستقراره ومنعته وعزه ! ... كيف لا نكون كذلك وانتم القدوة والمثل الاعلى في الوفاء والاخلاص وعشقاً للحسين ... تاخذون عنه كل ما قد يثقل كاهله من مهام وتقفون الى جانبه ضاربين بذلك نموذجا اردنيا هاشميا في التضحية والوفاء بلا قيود ... وتسهرون الليالي مع طاقمكم لاعداد ما طلبه الحسين منكم، وحتى الحكومة، رئيسا ومجلس وزراء، كنتم خير المعين لها ترشدونها وتساءلونها وتفتحون عيونها على ما كانت تجهله او غامضا عليها.

 

اجل سيدي .. كنتم لكل الاردنيين.. لصغيرهم وكبيرهم، لغنيهم وفقيرهم, لا تخلدون الى النوم قبل ان تهاتفون احدنا وربما اكثر، للاطمئنان على برنامجكم ليوم الغد .. وكثيرا ما كانت الساعة تتجاوز الواحدة صباحا.

 

سيدي سمو الامير ..

كثيراً ما التقي مع بعض الزملاء والزميلات ممن كان لهم شرف العمل بمعيتكم، فنستذكر تلك الايام .. ويذكرون بالفخر والاعجاب نموذجكم في الاخلاص والتفاني في العمل ووصل الليل بالنهار، اذ يفتقدون مؤتمراتكم وندواتكم ومداخلاتكم الفكرية والانسانية كما يفتقدون مرحكم وحتى غضبكم ... حقاً يجمع الكل على اننا بتنا نفتقدكم.

 

سيدي ... ونحن نهنئكم بعيد ميلادكم نحمد الله ان قيادتنا الهاشمية الكريمة، وعلى رأسها جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله، تواصل حمل الراية صوب الذرى وما هو ابعد واعلى بعون الله ... فالى سموكم وللعائلة الكريمة كل المحبة والاخلاص والوفاء.

 

وكل عام وانتم سيدي بالف خير

 

الداعي لسموكم بطول العمر

عبد الله كنعان

20/3/2010

رسالة إلى سمو الأمير الحسن بن طلال بمناسبة عيد ميلاد سموه 2009

بقلم : عبد الله كنعان

سيدي صاحب السموً الملكي الأمير الحسن بن طلال  حفظه الله

تحية المحبة والوفاء وبعد.

فالسلام عليك يا سيدي أينما كنت في حلك وترحالك ...

السلام عليك في يومك وغدك، في صباحك ومساءك ...

السلام عليك يوم ولدت ويوم كبرت ويوم أصبحت ولياً للعهد فتشرفت بالعمل بمعيتك.

والسلام عليك يوم سلمت الأمانة وأبلغت الرسالة فكنت أميراً ولا كل الأمراء، وكنت رجلاً ولا كل الرجال، وكنت رمزاً للتضحية والعطاء وكنت عين العقل والفكر والشهامة والآباء.

 

اليوم تحلُ علينا ذكرى ميلادكم الثانية والستون..ومن حقً الوفاء علينا، نحن الذين حظينا وشرفنا بالعمل في ظلالك وإلى جانبك، ناعمين بحكمتك وتوجيهك وحدبك ورعايتك، أن يخضوضر خريف العمر بربيع التذكار .. وكيف ينسى مثلي أنا ومن استظلًوا بجناحيك الوارفين الدافئين، صحائف الرجل العظيم الذي كان - وسيظلُ بإذن الله - النبراس والقدوة والمثل والأنموذج ليس لكل من سعد وشرف بالاقتراب منه فحسب، ولكن لكل مواطن أردني ٍ ولكل أخ ٍ عربي ٍأو مسلم ٍ أو ناشد ِ حكمة ٍ وبصيرة ٍ وتنوير.

 

سيدي صاحب السمو، يا رعاك الله .. 

ليس أبلغ من بلاغة القلم واللسان إلاً الوفاء والعرفان .. لهذا أنا اكتب لسموًكم بوفائي لا بقلمي ولساني، وأنا في حرم التذكار والذكريات، أستعيد أنضر وأكرم وأسعد أيام العمر .. أيام أكرمني الله وأنعم عليً بالاقتراب من سموكم، والحظوة بخدمتكم ..فعرفت فيكم ومنكم وعنكم، في مجالي الطهارة والنقاوة والحكمة ومكارم الفضائل والأخلاق، ما لا يصل إلى معرفته إلا المحبُ والتلميذ والمُريد . ولقد كنت أسعد الناس وأحظى الناس في أترابي وأهلي ومواطنيً وأنا أنهل من شميم العترة الهاشمية عطر الإيمان ونفح َ الوجدان .

 

وها أنا الآن أقف أمام ذكرى ميلادكم العطرة ..  ذكرى ميلاد أمير الخلق والشهامة.. ذكرى ميلاد أمير الفكر والسياسة.. ذكرى ميلاد رجل المبادئ والفعل .. ذكرى ميلاد أمير الوطنية والعروبة.. ذكرى ميلاد أمير المبادرة وعدم الركود والجمود والاتكال على غير صاحب العزة والجلال .. ذكرى ميلاد أمير الحق ومقارعة الظلم أياً كان مصدره ومكانه، إن لم يكن بالفعل واللسان فبالقلب والجنان

 

 فما عساني  أقول في ذكرى ميلادكم، يا سيدي، من قول ٍ يبلغ الذروة والمكانة والرفعة عند الله وفي الناس؟

 

أأقول : كل ُعام ٍوأنتم والأسرة الكريمة بألف خير، وأن تكونوا من أصحاب الأعمار المديدة والأفعال السديدة؟

 

أأقول - وأنتم المثل الأعلى لكل من منّ الله عليهم بالعمل في معيتكم والحظوة بتوجيهكم ورعايتكم، وأنا واحد منهم -، بأنكم الأنموذج الذي يُقتدى به في مجال العلاقة الأسرية وعلاقة المسؤول بالرعيًة... المسؤول الذي نذر نفسه لوطنه ولأمتيه العربية والإسلامية، مثلما نذر نفسه خالصة ً للحقً والعدل وكرامة بني الإنسان؟

 

فمن خلالكم، سيدي، تعرًفنا على الأردن الذي أحببت َ، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه.. تعرًفنا على طموحاته وآماله، ماضيه وحاضره ومستقبله.. واقعه ونهوضه. وكنت أنت، يا صاحب السمو، العين التي رأينا من خلالها الأردن الحبيب في أزهى صوره وأنبل مظاهره ،فهرعنا نضمُه في أحنائنا ونُسدل عليه .أجفاننا ونحضنه بصدورنا، مواطنين َعاملين مخلصين لقيادته الهاشمية وترابه ومواطنيه  

 

ومن خلالكم، سيدي الأمير، تعرًفنا على واقع أمتينا العربية والإسلامية، وعلى طموحاتكم للارتقاء بهما إلى حيث يجب ان تكونا، في مقاعد العزًة وسنام المجد ومشارف العلاء ،وحيث تكون مواقع الريادة في المكانة والفعل الإنساني .. كل ذلك، انطلاقاً من النهوض بالأردن الذي حرصتم دوماً - وبتوجيه من أخيكم جلالة المغفور له بإذن الله الحسين بن طلال - على ان يكون، رغم صغر الحجم وقلة الموارد والإمكانات الاقتصادية، بلداً فاعلاً في محيطه العربي والإسلامي، الإقليمي والدولي، باستحضاركم لعناصر القوة الكامنة في الأمتين العربية والإسلامية.

 

فالحاكمية الرشيدة، وسيادة القانون، والتعايش السلمي، وطنياً وعربياً ودولياً، وعدم اللجوء إلى القوة المسلحة في حلً النزاعات العربيةالعربية، والنزاعات الإقليمية والدولية، أو حتى التهديد باستخدامها في حل النزاعات، بل وجوب فضًها بالطرق السلمية، والاحترام المتبادل في العلاقات مع الآخر، وطنياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، بقطع النظر عن أحجام الدول وقدراتها وإمكاناتها وقوتها على اختلاف أشكال القوة ... كل تلك المبادئ التي احتضنتها ورعيتها وناديت بها، في وقت ٍ مبكر، لم تجد أذناً صاغية لدى أصحاب القرار،في هذا العالم الذي تحكمه القوة ويتحكًم به الأقوياء ..  اللهم إلا لدى أولئك الذين لا حول لهم ولا قوة، إلا المناشدة والتمني.

 

لذا، فها نحن اليوم، معشر العرب والمسلمين، ننقلب من مأزق إلى آخر أشد وطأة وإيلاماً

 

وها هو الاستيطان اليهودي الصهيوني الذي ظللتم تنبهون إلى مخاطره على مستقبل الدولة الفلسطينية المنتظرة، وعلى الأمنيين الوطني والقومي، وسميتموه باسمه الحقيقي "الاستعمار" وسميتم "المستوطنات"  بـ "المستعمرات"، وصممتم خريطة للمستعمرات الإسرائيلية في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة وكلفتم زميلاً لنا في مكتبكم بتحديثها أولاً بأول .. هاهي اليوم تلتهم أجزاء كبيرة وحيوية من فلسطين المحتلة، وتقضم القدس وتعزلها عن محيطها الفلسطيني، وتفكك أوصال الضفة الغربية المحتلة وتحيلها إلى "كانتونات"، ليستحيل معها إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة وعاصمتها القدس، إذا ما أصرًت إسرائيل على تكريس احتلالها للضفة الغربية، وعلى أن تكون القدس عاصمة ًموحدة وأبدية لها.

 

وما سياسة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الإسرائيلية - في الواقع - إلا غيض ٌمن فيض سياسة إسرائيل التهويدية على اختلاف أشكالها، وبخاصة في الشطر الشرقي من القدس الذي يحتضن أقصاها - يا صاحب السمو - ضريحي جدًيك الشهيدين الحسين بن علي عبدالله بن الحسين، طيًب الله ثراهما وأسكنهما فسيح جنانه.

 

أما على صعيد همًكم العربي الذي عرفناه وخبرناه في سموكم، فحدث ولا حرج. فهاهو الاستعمار الذي عشتم حياتكم تحذًرون منه، بشكله القديم الجديد، يعود إلى ربوع وطننا العربي . ولا يعود ذلك للشهية الاستعمارية المستدامة لعالم ما بعد الحرب الباردة، وانتصار الرأسمالية الليبرالية على الاشتراكية الشيوعية، بل لأننا، معشر العرب، مجتمعات ودولاً، لم نستطع الارتقاء إلى مستوى المسؤولية وطنياً وعربياً، وكذا الحال بالنسبة للمجتمعات والدول الإسلامية،  حيث كنت تدعو دائما إلى توظيف عناصر قوتنا الظاهرة والكامنة، التقليدية والديناميكية للانتقال بالأمتين العربية والإسلامية إلى مركز الفعل الإقليمي والدولي كي لا نعود إلى سياسة ومنطق وغوغائية "داحس والغبراء".. من خلال سلسلة الحروب البينية العربية وحروب أهلية طائفية وعرقية، لنفتح بذلك الباب على مصراعيه أمام القوى الإقليمية والدولية المتربصة بنا، لتتخذ من الأرض العربية ساحة أو ملعباً لتمرير سياساتها الإقليمية والكونية.

 

قد يقول البعض : وما علاقة كل ذلك بمناسبة ذكرى ميلادكم سيدي؟

 

ولهذا البعض أقول : إن ذكرى ميلادكم، سيدي، تذكرنا كيف كنتم تسارعون الزمن لكي لا يفوتنا القطار ولنلحق بركب من سبقونا وكنت أيضاً مشغولاً بالهم الوطني.. كيف يمكن ان تجعل من الأردن سنغافورة المنطقة.

وكنت تؤمن ان من أهم عوامل تقدم الأمة هو السير على المنهج العلمي في حياتها إلى جانب سيادة القانون والنظام والعمل المؤسسي وتأكيد حقوق الإنسان كأناً من كان،

وعندما لمس سموكم انقسام الأمة إلى طوائف وقبائل وعشائر ومذاهب دعوت إلى ترسيخ مفهوم المواطنة في الأذهان وتجسيده في حياتنا والى إعلان ميثاق للمواطنة تتبناه كافة الدول العربية.

فأنتم يا سيدي من يسكن الوطن والأمة والإنسانية في سويداء قلبه .. قلب الأمير الهاشمي الأصيل .. الأمير الحسن بن طلال،

 

نعم سيدي.. لو بقيت اكتب ليل نهار وأقول انك كنت.... وكنت.... وكنت.... وعما كنت تفكر به وتعمل من اجله وعملت له لما أنهيت على الإطلاق.... لكنها خواطر وذكريات عشناها وكنا شهداء عليها عندما كنا نعمل بمعيتك. وها أنا أتذكرها بمناسبة عيد ميلادك.. فيا سيدي، إنّ المخزون في النفس كثير وكبير، وتزدحم العبارات وتتنافس أيها يريد ان يخرج ليذهب إليك...

 

معبراً من خلالها عما يجول في خواطري نحوك.

فعند ذكر ميلادك يمر أمام عيني شريط الذكريات الذكريات في حلوها ومرها، فلو جمعت كل ما يختزن صدري من كلام وكل ما يحفظه خاطري من أحلام وكل ما عند زميلاتي وزملائي من أقوال ولو جمعت كل ما كتبه وقاله عنك الكبار والصغار هنا وهناك لو جمعت كل ذلك لما وسعت كل الخزائن والأدراج والتي يمكن اختصارها بذكر اسمك .. الحسن بن طلال

 

فأنت الأمير الحسن صاحب الفعل والرأي والعقل الحسن وكل عام وسموكم والعائلة الكريمة والأردن وأهله وقائده جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين بألف خير.

2009

رسالة قصيرة الى صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال بمناسبة عيد ميلاد سموه 2008

بقلم : عبد الله توفيق كنعان

 

سيدي ومولاي ...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

هذا أنا بين يديك، أتفيأ ظلال عيد ميلادكم السعيد، ومن اعماقي واعماق كل محبيك وقادريك نلهج بالدعاء لك بالعمر المديد.

 

هذا انا بين يدي سموكم الكريم، اذ أنك في القلب والخاطر والوجدان، أبداً ... كما كنت لنا دائماً ... تضيء بالحكمة وتسعف بالعطف، وتعيد الى النفس الطمأنينة والسكينة والتذكار.

 

أكتب كلمة؟ كلمتين؟ ثلاثاً؟ .. وأي كلام يكتب أو يقال يمكن ان يرقى الى سدة مولاي الهاشمي الذي تعانقت في رحاب ذاته الاصيلة الامارة والطهارة؟ لكن عذري لديك، انني أكتب اليك من محبرة القلب، بقلم المحبة والوفاء، فلقد اكرمني الله وكرمني، اذ آواني الى كنفك العظيم، فنعمت في ظلالكم الوارفة سنين طوالاً هي العمر كله، والفخر كله، والثروة كلها، سنين كانت وستظل باذن الله هي ملهمتي ومعلمتي وزوادتي في دروب الحياة، فلقد كان سموكم الكريم حفظكم الله ورعاكم المرشد والمعلم والمنارة الهادية لكل من حظي بشرف الخدمة والرفقة والصحبة في رحابكم الكريمة السامية، ولقد عرفكم كل من سعد بجواركم وحظي بلقائكم، وأنتم في مقعد السلطة العالي، شخصية فذة متفردة، تجمع بين أدب النفس وأدب الدرس، تعرف كما يعرف المؤمن بوقاره ولين كلامه، وصدق حديثه، وكنت لنا على الدوام، صرحاً انسانياً وثقافياً وسياسياً شامخاً، وكنت رجلاً يجل بك العمل ويزهو، لفضلك ورئاستك، ولم تكن ذات يوم بالرجل الذي يجل بالعمل ويرى على سلمه ومعراجه،وكنت في تواضعك أرفع من سنام العلياء وزخرف الدنيا .. فما تواضع أمير في امارة الا وهو في نفسه أكبر مما نال من سلطانه.

 

ويشاء الله أن يختار لك العافية .. تلك التي جاء حديثها في خبر لقمان الحكيم الذي نودي : اني جاعلك خليفة في الارض، فقال : ان أجبرني ربي فسمعاً وطاعة، وان خيرني اخترت العافية، فولاه تبارك وتعالى الحكمة ... وصدق رب العزة والجلال اذ يقول في كتابه العزيز :"يؤتى الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيراً كثيراً، وما يذكر الا أولوا الالباب".

 

سيدي صاحب السمو حفظك الله ورعاك

في عيد ميلادك السعيد تتزاحم يا سيدي الخواطر، وتستيقظ الذكريات العزيزة الغالية ... فالايام والاشهر والسنون التي امضيتها في معيتكم السامية، غنية بالاحداث والحكايات والذكريات التي تلتقي فيها الافراح بالاحزان، وتعبر على هوامشها الآمال والاحلام والامنيات ... أذكر : كانت احلامك الكبيرة تبعث فينا الامل وتشحذ العزيمة، وتذهب عنا التعب والاحباط والاعياء. لم نكن نحن الذين سعدنا بالخدمة الى جانبك في الاوقات الصعبة الحاسمة لنأسف على تعثر هنا او هناك

 

ذلك اننا كنا ننظر اليك من خلال ما كنت تطمح اليه وتعمل لتحقيقه ... كان حلمك ان يكون الاردن مثل سائر الدول التي سبقتنا في النهضة والتقدم، لذلك لم تكن تغادر صغيرة ولا كبيرة الا وكان لك فيها نصيب ... وكان حلمك ان يتوحد العرب ويتفقوا ولو حتى على الاختلاف فيما بينهم ... كنت تكره التعامل الثنائي بين القطر العربي والآخر لانهم اخوة اشقاء ... كنت تحلم ان يكون التعامل عربياً - أجنبياً ... كان حلمك في نهضة عربية تقف في وجه التحديات ... وكان حلمك ان لا يقع الخلاف المذهبي بين المسلمين، فعملت على حوار المذاهب للتقريب، وتعظيم الجوامع  بينها ... كما كنت تحلم بان لا يوصم المسلم بالتعصب ضد الآخر، فعملت على حوار الاديان ... وكنت تحلم ان يتطور الاردن في شتى المجالات ... نعم يا سيدي ... كان الحلم كبيراً ... وكانت تضحياتك عظيمة وكبيرة مثل عظمتك ورجولتك.

 

كنت تحلم بتحقيق الحلم العربي الذي جاء به جدك المغفور له الشريف الحسين بن علي نعم، كنا يا سيدي ننظر اليك، ولا نزال، من خلال طموحاتك في وحدة العرب والمسلمين، وتحرير ما اغتصب من اراضيهم ومدنهم وقراهم ... نعم يا سيدي تلك كانت احلامك مثل احلام الملايين من اهلك واهل بيتك ووطنك وامتك.

 

اما وقد ودعت السلطة والسلطان في عالم السياسة، فانك تحتل المكانة الرفيعة الغالية في سلطان المحبة والاجلال والتقدير ... وان لك ولنا الامل الكبير بجلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله ورعاه، وبما يتمتع به من خبرة الشيوخ وعزيمة الشباب، ونحن نراه يجاهد من أجل نهضة الاردن ورفعة شأنه، فالراية دائماً وأبداً هاشمية باذن الله، يتناولها هاشمي من يد هاشمي، فبوركت هذه الايدي الامينة على الرسالة كابراً عن كابر.

 

وفي ختام رسالتي القصيرة هذه، يا سيدي، نعلن لك بأننا نحبك كما كنا أحببناك، وسنبقى الاوفياء المخلصين لك، وللعرش، وللاردن ... سمائه وترابه، واسرته وبنيه

 

نسأل الله أن يحفظ الاردن ويديم عليه نعمة الامن والامان، ويحقق له مزيداً من التقدم والازدهار في ظل قيادته الهاشمية الشابة الشماء.

 

وكل ام وأنتم بألف خير

20/3/2008م

الامير الحسن في عيد ميلاده 2007

بقلم عبد الله كنعان – القاهرة في 20 / 3 / 2007

 

فكرت وتوقفت قليلاً، أفكر ماذا يمكن لواحد مثلي ان يقول او يكتب بمناسبة عيد ميلاد أمير أمضيت بالعمل بمعيته زهرة الشباب .. شريط من الذكريات يمر بخاطري، يختصر السنين التي مضت حلوها ومرها .. نهارها وليلها عمل وعمل، خطابات وتصريحات، مؤتمرات وندوات، جولات ومقابلات، رياضة وشباب، مسجد وكنيسة، سفر ورحلات عمل، وداع واستقبال، فرح وحزن وألم، تفاؤل وتشاؤم، صيف وشتاء،  مطر وثلج .. كلها هكذا مضت كالحلم تماماً .. كانت تكبر الاحلام وتظل تكبر حتى نشعر وكأننا نخترق الفضاء ثم تتلاشى تدريجياً .. رويداً .. رويداً. كلها عشناها مع أمير لا يعرف الكلل ولا الملل، يصارع المستحيل حتى يقهره، يحارب الظلم والظالمين، يقاتل الفساد والمفسدين، يصنع الامل رغم الصعاب، يجادل بالعلم ويمازح بالعقل، يضحك حتى تشعر وكأنك أمام أمواج بحر جميل قد وصلت... بسيط مثل زاهد وناسك متعبد في محراب الله، كبير شامخ كالطور بكل اباء وعنفوان .. لا يقبل الميوعة والتقاعس والانكسار، يرفض الرجوع الى الخلف، يصد الريح والعواصف بصدره كالصخر.

ماذا عساي أقول في عيد ميلادك يا سمو الامير

نقول : نحن نحبك .. لا نفاق ولا مجاملة، نقول : ولسنا وحدنا الذي نحتكر حبك فهم يحبونك مثلنا واكثر اولئك اصحاب الضمير، فالحب لا يقاس بما نستفيده منك، بل يقاس بما أنت تفكر به وتصنعه، يقاس برجولتك ومواقفك … فكم مظلوم أنصفته وكم مريض عالجته، وكم محتاج أنجدته ومكلوم واسيته، وكم شاب علمته وعالم سندته، وكم يائس زرعت فيه الامل، وضال رددته وفاسد اوقفته ومتعال حجمته، وكم مسؤول كنت خلفه ومبدع وعالم شققت له الطريق، وكم منافق كشفته ومراءٍ عرفته، ومنكر للجميل لفظته …لقد خدمت عرش الأردن وأهله وعملت للعرب والمسلمين جميعاً بكل اخلاص ووفاء ... نعم لقد كنت وفيا ومخلصا دائما وابدا للقائد الهاشمى فى كل الاحوال والظروف

نعم يا سمو الامير .. كنت كبيراً .. وكبيراً ستبقى … حفظك الله ورعاك

وكل عام وسموكم بألف خير

الحسن بن طلال كما عرفته - مشروع الحسن بن طلال بين الواقع والطموح 2006

بقلم: عبدالله كنعان

الأحداث تصنع التاريخ.. والتاريخ لا تحتفظ ذاكرته إلا بذلك الطراز من القادة الذين يمتطون صهوته من خلال مجد عسكري.. أو حضور امبراطوري، أو انبعاث حضاري على اختلاف أشكاله.. وهناك أيضاً من اغتصب التاريخ من خلال فعل أو حضور تخريبي تدميري.. وشتان بين ثقافة العمران.. وبين ثقافة التدمير وإبادة البشرية والعمران.

ومن بين أولئك القادة التاريخيين الذين سطع نجمهم في سماء الوجود الحضاري يلمع اسم صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال، حفظه الله ورعاه.. هذا الأمير الذي يتذكره معاصروه في السلطة وما قبلها وبعدها في هذا اليوم، ذكرى عيد ميلاده السعيد، أميراً للخلق والفكر والسياسة.

والالتزام المبدئي بقضايا الوطن والأمة والإنسانية.. يتذكرون أمير الإبداع للتحول بالفكر من الأبراج العاجية إلى عالم المعايشة والتفاعل الإنساني، عبر الوطني، وعبر القومي، وعبر الإقليمي، باتجاه عالم التعددية الإنساني، وفهم الآخر وحقه في رسم معالم التاريخ بقدر حضوره الخير.

عالم اليوم تتصارعه الكثير من الأدوار التاريخية المتعددة الأشكال منها ما وجد قادته وأبطاله المبحوث عنهم، ومنها ما لا يزال يبحث عن قادته وأبطاله. وهو ما يخرج من إطار إمكانات وإرادات الدولة والقادة الذين لا تساعد بيئتهم أو جغرافيتهم السياسية على استجوابهم للأدوار التاريخية التي تبحث عنهم، على العكس تماماً من الدول التي يتوالد فيها "القادة والأبطال" بالإنشطار وفي عمليات تلقائية بحكم عناصر القوة المجتمعية لدولهم وأهمها: القوة العسكرية والتكنولوجيا المعرفية، مثل هؤلاء القادة ما كان لهم أن يحلموا بمسؤوليات متوسطة المستوى لو كان قدرهم أن يعيشوا في إحدى دول العالم الثالث.

ومن هنا فإن القادة التاريخيين والأبطال حقاً الذين قد تجود بهم حاضنة التاريخ ويحتضنهم هذا البلد أو ذاك من بلدان العالم الثالث والمؤهلين فعلاً للنهوض بالأدوار التاريخية التي تبحث عنهم ليس بمقدورهم "وفي مقدمتهم سمو الامير الحسن بن طلال"، سوى إبداع مشاريعهم النهضوية على أساس عالمي وبأدوات عالمية موظفين كل طاقاتهم الفكرية والسياسية لحمل العالم من خلال مؤسساته الحكومية وغير الحكومية على تبني هذه المشاريع بما يوحد العالم ارادياً على أساس تبادل المصالح، وتفاعل الحضارات وليس صدامها، واشغال كل لحيزه ليس من باب الاستئثار والتفرد والهيمنة والاحادية، بل على أساس مصلحة المجموع العالمي، وخير الإنسانية وتعاضدها.

فما هو يا ترى المشروع الحضاري لأميرنا الحسن بن طلال؟ وما أبرز مقوماته وسماته ومبرراته وأهدافه؟ وما الآليات الكفيلة بالتحول به من مشروع فكري أو نظري إلى واقع معاش ملموس؟ وهل هو مشروع قابل للتحقق أم أنه مجرد تصورات فكرية مكانها الأعاحي السماوية لا الأرض والواقع؟ أم أنه مجرد فلسفة فكرية سياسية شبيهة بتلك التي سبقه إليها العديد من فلاسفة الفكر والسياسة منذ فجر التاريخ، منهم من جاء الواقع السياسي المستقبلي إنعكاساً لفلسفته الفكرية والسياسية مثل جون لوك، وروسو ومونتسكيو، ومنهم من ظلت فلسفته السياسية والفكرية على قارعة الطريق، وأن حكم باسمها في هذا البلد أو ذلك وأبرزهم ماركس ورفيق دربه فريدرش انجلز؟

ومع أنني غير معني في هذه العجالة بدراسة وتحليل البناء النظري لمشروع الأمير الحسن، ومدى ملاءمته للظروف المحلية والإقليمية والدولية، فإن من الممكن تصنيف مشروع سموه من حيث بنيته الفكرية ومنطلقاته ومكنوناته وأهدافه وآلياته بأنه مشروع عالمي، وأن دأب الأمير الحسن منذ المراحل الأولى لمشروعه النهضوي ولا يزال على تسميته بالمشروع "عبر القطري" و"عبر الإقليمي"، تارة وبـ "فوق قطري" و"فوق إقليمي" و"فوق قاري" تارة أخرى.

مشروع الحسن مشروع عالمي بمدخل قيمي معرفي تكنولوجي مصلحي وسطي "متوازن" فهو مشروع بمقومات أساسية هي:

  • الموروث القيمي العالمي بخاصيته الجامعة الجاذبة وليست المنفرة الطاردة.
  • المعرفة بطبيعتها الإنسانية المستندة للحقوق الابتدائية والأساسية لبني البشر على اختلاف أجناسهم وأديانهم وقوة أو ضعف بلدانهم ودولهم.
  • المصالح المشروعة للأفراد والأمم بغض النظر عن قوة هذه الأمة أو ضعفها والمستندة إلى الاحترام المتبادل والثقة بالنفس والآخر، بمعنى تناغم المصالح للأمم ودولها لا تضادها وتصادمها.
  • التفاعل الحضاري للشعب والأمم وليس صدام الحضارات او صراعها كما يحاول صموئيل هنتنغتون الترويج لذلك.
  • الوسطية والاعتدال وليس التطرف والإرهاب بشكليه الفردي والجماعي، أو الحكومي وغير الحكومي والذي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن اعتراف الأقوياء تنظيمات ودول بحق الضعفاء في مشاركتهم قوة المعرفة والتكنولوجيا والتقدم العلمي والتنمية بما يحقق للجميع شعوباً ودولاً المستوى المعيشي المتكافئ نسبياً، وحق الشعوب والأمم الضعيفة أو الفقيرة في أن تتمتع بقدر من السيادة يجعلها تنظر لنفسها في مرآة التاريخ بارتياح لترى إنسانيتها وانعتاقها لا عبوديتها وإذلالها.

هذه هي بتقديري العناصر أو الأركان الأساسية لمشروع الأمير الحسن العالمي الذي أعاد تناوله في محاضرته التي ألقاها في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية في 29/كانون الأول/2005، هذه المحاضرة التي تصلح بما تضمنته من أفكار وطروحات لأن تكون مادة للعديد من الندوات الفكرية وللطروحات الأكاديمية في مجالي العلوم الإنسانية والعلوم التطبيقية على حد سواء. ولكن ما هالني حقاً أن هذه المحاضرة التي تحتضن مشروعاً نهضوياً بركنيه النظري والتطبيقي مرت وسائل إعلامنا وكذلك منتدياتنا الفكرية ومراكز بحوثنا وجامعاتنا عليها مرور الكرام لأسباب لا ندري أهي تتعلق بصعوبة الموضوع أو بعدم القدرة على تبصره وتدبره، أم للاعتقاد بأنها أفكار وطروحات خارج السياق الوطني والإقليمي والدولي، بل وربما حسب منظورها خارج السياق التاريخي.

مشروع الحسن مشروع وطن وأمة وإنسانية بأفق عالمي.. مشروع يهدف إلى إعادة ترتيب العالم على أسس غير تلك التي يستند إليها عالم اليوم.. عالم القوة المتغطرسة والمصالح الأنانية الضيقة للأفراد والمجموعات والتنظيمات والدول على حساب الآخر، مشروع تفاعل الآخر بالآخر وليس تضاده وتصارعه حد الإلغاء والإبادة بالمعنى القيمي والوجودي.

أجل مشروع أميرنا مشروع يطمح إلى إعادة ترتيب العالم استناداً إلى الموروث الحضاري والقيمي المشترك للأمم، ولمصالحها المشروعة، وحقها قي مشاركة بعضها في الاستثمار البنّاء والخلاّق للمعرفة والتكنولوجيا والتمتع بالحقوق الأساسية، وأهمها حق المرأة والأمم في الحياة والحرية والتعبير عن الرأي والمعتقد والعيش في ظل نظام ديمقراطي حقيقي وليس موهوماً أو مفروضاً.

مشروع الحسن وإن هو في إبداعه ذو طبيعة فردية، أي من نتاج الفكر الفلسفي أو الفلسفة السياسية لسمو الامير الحسن، فإنه في مراميه وأهدافه يتعدى ساحة الوطن الصغير والكبير باتجاه الأقاليم والقارات والعالم، وهو ما تنبهت إليه العديد من مؤسسات البحث العلمي ومراكز البحوث الأجنبية وصولاً إلى إنشاء مؤسسات تحمل اسمه مثل "أمانة الحسن" في لندن التي يبدو أنها قد عقدت العزم على الترويج لمشروع الحسن العالمي الإنساني بطريقة عملية وتوظيفها لتكنولوجيا المعرفة كما دعته تلك المؤسسات ليكون عضواً فيها أو رئيساً لها.

ولكن مشروع الحسن سيظل مشروعاً نظرياً ينظر إليه البعض على أنه ترف فكري ما لم يتم الاهتداء إلى الآليات الكفيلة بتبصير صناع القرار الوطني والإقليمي والدولي بأهليته للتطبيق وقابليته للحياة، هذه الآليات التي لا بد وأن تجد انطلاقتها في الوطن والأمة باتجاه الممارسة الإنسانية والعالمية.

ولعل مشروع "أمانة الحسن" المشار إليه آنفاً يكون بداية الطريق نحو التحول بهذا المشروع من المجال النظري إلى مجال التطبيق لخير الإنسانية بمكوناتها الأثنية والدينية والفكرية المتعددة على طريق تحقيق الأمن لجميع شعوب دول العالم صغيرها وكبيرها على حد سواء.

وكل عام سيدي وأنتم بألف خير

الديار 20/3/2006 العدد 306 ص4

الى الحسن بن طلال أمير الحكمة والعقل في ذكرى ميلاده 20/3/2005

      بقلم : عبد الله كنعان

في عيد ميلادك، نحتفظ بملامح لحظاتنا المثقلة بالاصرار وخيوط التفاني تربطك بنا وتربطنا بك، لنكمل ردهة من العمر باقية. نستذكر سنين مضت بساعاتها وأيامها، نهارها وليلها، كانت مليئة بالأحداث والعمل الدؤوب. كنا معك دائماً نركض ونحن نتابع الأوراق والملفات والأشخاص والبرامج والمواعيد والجولات والمكالمات الهاتفية والمقابلات والزيارات، نركض لعلنا ننهي قبل غروب الشمس. ولكن هيهات … ثم نتابع الركض قبل ان ينتصف الليل، ثم نتوقف بعده بساعة أو ساعتين، لنجد أنفسنا وقد لفنا السكون من حولنا، لا أحد يتحرك، حتى الطير يكون قد اخلد للنوم. وما أن يبزغ الفجر نستيقظ لنلحق شروق الشمس، نحن معك نتبع خطواتك ونخطو خلفك، هكذا كنا نفرح ونسعد حينما نرى النتائج قد تحققت وأن ركضنا خلفك ومعك قد انتج شيئاً … لقد كنت يا سيدي دوماً تعلن العصيان على السكون، تحرك امواجنا الراكدة، تخلق لبحرنا امواجاً.

كنا نفرح عندما نراك فرحاً لانك أصلحت أو تلافيت خطأ كان قد وقع به مسؤول، ونحزن عندما نراك حزيناً لأن كلمتك او نصيحتك لم يأخذ بها فيقع الخطأ. لقد عودتنا رؤية ما لا يرى، ومتابعة ما يهمله الآخرون. فهناك مساحات لا يراها سوى من حباهم الله بعد النظر وعمق الفكر.

كنت تحمل الهم الوطني وتجهد نفسك من اجله، كانت أرادتك صلبه وقويه تماماً مثل ساعدك القوي، كانت لياقتك الفكرية تماماً مثل لياقتك الجسدية قوية ومتجددة ومتحركة، لا تمل ولا تستكين، تحاول دوماً إلغاء المستحيل من أدبيات قاموسك ، لتخنق فينا رائحة اليأس.

آه يا سيدي ما أروع تلك الأيام بعرقها وتعبها، بفرحها وحتى بحزنها …  كم تعلمنا منك وحفظناه عن ظهر قلب، علمتنا ان الإخلاص والوفاء للعرش، هو إخلاص للوطن ووفاء للأمه، وهو قبل كل شيء ، وقد جسدت ذلك قولاً وعملاً، فبنيت بذلك سيدي داخلنا وطناً عصياً على الانكسار ، عاصمته قلبك الكبير، الذى يصفح ويحب، دون تنازلات، وحدوده العمل للانسانية جمعاء……..

 لقد علمتنا كيف نفكر ونتمثل المبادىء السامية لعروبتنا وعقيدتنا، فننبذ الاقليمية والجهوية والطائفية والعرقية والعصبية الضيقة، بحثاً عن الانسان . ففي ميلادك سيدي نتذكر الانسان عندما يكون انساناً … فكم مسحت الحزن وخففته بزيارتك ومواساتك لمن فقد عزيز….وكم رحمت عزيز قوم ذل، حينما استجار بك….واعدت الحق لصاحبه، حينما لجأ اليك….. فكان اسمك يخيف الظالم ويفرح المظلوم……

كم صلينا بمعيتك في المسجد يوم الجمعة، في ظل النفحات الأيمانية العطرة، اجتماعات مباركة تغرس المحبة في النفوس وتقوى أواصر الأخوة والتلاحم بين المؤمنين. وكم باركنا بمعيتك لأخواننا المسيحيين في كنائسهم، تبارك لهم في صلواتهم وأعيادهم وتعزز نهجهم حرصاً على إدامة التواصل والمحبه والاخاء والتلاحم بين ابناء الوطن الواحد والحضارة الواحدة. كم دعوت للحوار بين الأديان والمذاهب كي لا يدخل الكره والتعصب الديني بين الشعوب. وها هم يتقاتلون على الهوية والدين والمذهب.

وكم حذرت في خطاباتك ورسائلك من بلقنة المنطقة وها هم يفعلون، وكم قلت لنخطط لأنفسنا قبل ان يخطط لنا وها هم يفعلون، وكم حذرت من أول مستوطنة أقامتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة عام 1967 ، وها هم يقيمون مئات المستوطنات.

كم ناديت بالانفتاح على العالم بروح العصر. وقدمت الاسلام بروعته وتوازنه. وجمعت العلماء من كل انحاء العالم لتؤسس قكراً متجدداً وانبعاثاً حضارياً يصحح صورة الاسلام في نظر الغرب. وكم ازعجت اراؤك اعداء الأمه والوطن، لانك كنت تكسب جولات في الحجة وبيان الرأى، وتسجل نقاطاً لصالح العرب والمسلمين. وكم غسلت دماغ الكثيرين ممن كانوا ينحازون ضد أمتنا وقضاياها،  فحيدت البعض منهم وكسبت البعض.

نتوق يا سيدي دوماً إلى من يقرضنا بضع ابتسامات نقرؤها فيك، ففي جولاتك وأحاديثك الدافئة رائحة مشبعة بنور الأمل والتفاؤل وكأنك تغسل أحزاننا بنور شمس الصيف وغزارة مطر الشتاء. وفي هذا اليوم سيدي نهديك إحساساً آخر نقلدك وساماً نعلقه على تاج حبنا ونطبع على قلبك الدافيء قبلة حارة .

في عيد ميلادك :

نذكر كل أيامك بحلوها ومرها، نذكر تساميك وتسامحك ووسع صدرك وصبرك أمام الاحداث، في عيد ميلادك، نسأل الله العلي القدير ان يمنحك الصحة والعافية ويسبغ عليك راحه الفكر وهدوء البال ويكلل حياة سموكم وأسرتكم الكريمة بالسعادة والهناء .

وكل عام وسموكم والعائلة الهاشمية بالف خير

20/3/2005م

ميلاد سمو الأمير الحسن بن طلال خواطر وتأملات 18/3/2004

عبد الله كنعان

في حياة الانسان أيام تقف شواخص في درب عمره، بعضها من صنع يديه وبعضها تصنعه، وأخرى تمر مرور الكرام، ايام تختلف في شكلها ولونها ومذاقها، قليل منها الزاهي البديع العذب، وقليل ايضاً ما هو عكس ذلك لحسن الحظ، اما الكثير الكثير فلا طعم له ولا لون  ولا رائحة، فهي كالماء السبيل نحتسيه ولا نشعر به الا عند الظمأ الشديد. وعلى الرغم من أننا لا نقيم طويلاً في هذه الحياة الدنيا، الاّ أننا نعد الأيام ونحسبها، فهي تعود كل عام تجددّ الذكرى وتنعش الذاكرة. ومن بينها جميعاً يتفرد يوم بعينه، يوم اطلالة كل انسان على دنياه، حيث هو مركز الحدث، وإن كان صانعيه هما والداه، بإرادة علوية، ويفرحان به أيمّا فرح، لأنه الهدّية السماوية.

كل الناس حريصون على جعل وجودهم شيئاً ذا معنى، يحددون أهدافاً ويسعون لتحقيقها. وإذا كان الفتى ذا همة عالية وأصل رفيع، فلا بد له من أن يشحذ ارادته ويقوي عزيمته، حتى يعادل طموحه حلمه ويماثل عقله فعله. فكيف إذا كان من دوحة سامقة الاغصان عميقة الجذور وارفة الظلال ؟ وكيف إذا كان حكيماً عاقلاً، تخرج بشهادة عليا من الجامعة ليحصل على شهادة أعلى في ادارة شؤون البلاد، منحه إيّاها شقيقه ومعلمه، حين اسند إليه ولاية العهد، فانطلق حاملاً مسؤوليته يزور المواقع ويعقد الاجتماعات في الصباح الباكر، قبل أن تحمى عين الشمس، يعمل على تثبيت دعائم النظام وسط بحر متلاطم الامواج، تعصف به الرياح والأزمات، والربّان ممسك بدفة القيادة يدرب شقيقة ويوجهه ويرشده وينبهه، حتى وصلت السفينة بحر الأمان. ثم وقف  على المنابر الدولية، كما وقف الشقيق المعلم من قبل، حتى وضعا الأردن على خريطة العالم. ولم ينس في خضم مسؤولياته ان يأخذ بيد ابنائه الطلبة المعوزين وغيرهم من المواطنين، وأن يرد الظلم عمن وقع عليه، يتفقد الرجال الكبار الذين وقفوا مع الجد المؤسس والملك الوالد، ومع أمتهم ووطنهم.

وكان طوال الوقت يرى ويسمع ويحس ويلمس، مما قد لا يروق ويعجب أو يثير ويغضب، فما يلبث ان يضحك ويسخر، أو يكظم ويتصبر. ومع كل ذلك، لم ينس في غمرة مسؤولياته الجسام أن يلتفت الى العلم والثقافة، فعمل على انشاء العديد من مراكز التميز، التي لا يزال يرأس العديد منها، في المجالات السياسية والفكرية والدينية والعلمية، كما انخرط في الكثير من المؤسسات المماثلة في أرجاء العالم.

ثم مد حبل الود والتواصل مع قادة الدول العربية والاسلامية، وأنشأ علاقات وثيقة مع الشخصيات المرموقة في الميادين المختلفة، في طول الوطن العربي وعرضه. وهكذا تمرس في السلطة، حيث ضرّسته الأيام وحنّكته التجارب.

وفجأة إذ جاء التغيير، ورأى القائد أن ينقل الراية من بعده لنجله، ويريح شقيقه من أعباء المسؤولية التي نهض بها زهاء ثلاثة عقود ونصف، ظنّ البعض أن الأمير الجليل قد يتمرد على قرار اتخذه القائد في لحظة مصيرية. بيد أنه خّيب ظنون هؤلاء، فتقبل الأمر طائعاً مختاراً، وأثبت من الولاء لعميد الأسرة الجديد ما كان عليه أيام العاهل الراحل، فالوفاء عند الهاشمي خلق نبيل والاخلاص لديه طبع أصيل.

وحين تسرب الشك لنفوس بعض المَصْلحَيين، فحسبوا أن انحسار السلطة عمن كانت بين يديه، تُوجبُ عليهم الإنفضاض عنه، والتخلي عن قربهم منه، تبخّر اكثرهم، ولم تبق سوى قلة قليلة على اخلاصها، ليقينها أن الولاء للقائد الجديد لا يتناقض مع الوفاء للرجل الكبير. فالولاء للعرش والوفاء للاسرة كل لا يتجزأ، مهما اختلفت مواقع الرجال. بل ولقد أوغل بعض ذوي المصالح في الضلال، وهم الذين لا ولاء عندهم الاّ لمصالحهم، فعمدوا الى وضع معاييرهم الخاصة، وافتوا بعدم أحقية فلان أو عدم أهلية علان، لشغل مراكز قيادية في الدولة، بحجة أنهم " محاسيب " الأمير الحكيم، فاستثنوا من مراكز النفوذ من لا يريدون حتى يستأثروا بها منفردين. أمّا الذين تعلموا في مدرسة الهاشميين فيدركون تماماً، كيف ولماذا يفعل اولئك ما يفعلون، لبئس ما يفعلون.

بقي أن نقول لمن يستغربون أو يستكثرون، بل وينكرون على سمو الأمير الحسن بن طلال اهتمامه بالعراق الشقيق، إننا لن نذكرهم بمملكة الهاشميين في العراق أو بالاتحاد الهاشمي بين بغداد وعمان أو حتى بمنطلقات الثورة العربية الكبرى، فقط نود أن ننعش ذاكرتهم بالفكر القومي والاسلامي والانساني الذي شكل رؤية الأمير ونظرته تجاه وطننا العربي الكبير وفي القلب منه أرض الرافدين، ونحيلهم لكتبه ومحاضراته وندواته وتصريحاته، على مدى العقود الماضية.

 

ونذكرهم أيضاً بما قاله سموه بأن حرصه على العراق لا ينبع من رغبة ذاتية أو مطمع شخصي، فلا التاج يُغريه ولا العرش يُغويه، وإنما المصلحة العليا للبلد الشقيق هي التي تقود خطاه. فإن اجمعت قوى الشعب العراقي بكافة أطيافه وطوائفه ومكوناته وألوانه، والتي  لسموه علاقة وثيقة بها كلها، والتقت على اسناد دور قيادي تصالحي لسموه، عند ذلك، فهل يتوانى عن أداء الواجب، خاصة في هذا المنعطف الخطير من تاريخ العراق الحديث؟

وفي الختام نقول في يوم ميلادك السعيد: ياسمو الأمير أطال الله بقاءك وأمد في عمرك وأنعم عليك بالصحة واسبغ عليك ثوب العافية ومتعك واسرتك الصغيرة بحياة ملؤها راحة الفكر وهدوء البال، ولأسرتك الكبيرة أمل ودعاء بحياة ملؤها العطاء والرخاء، إنه على كل شيء قدير وبالاجابة جدير.

 عبد الله كنعان

18/3/2004م

الأمير الإنسان … والمفكر … والحاكم ((حوار مع صديق بمناسبة عيد ميلاد سمو الأمير الحسن بن طلال)) 20/3/2003

عبدالله كنعان

جاءني صاحبي مبكراً ودون موعد، ليبادرني قائلاً: هل سمعت بقرار بوش إعلان حربه العدوانية على العراق؟

قلت: ما الجديد في الأمر؟ أمن أجل هذا أتيت مبكراً؟

قال: نعم ولا. نعم لأني أدرك أن لديك ما تقوله في هذا الأمر الخطير. ولا لأني لم أشأ ذلك فحسب بل أردت محاورتك في موضوع لقائنا السنوي.

قلت: فهمت قصدك ولكن ما دمت قد ذكرت عدوان أميركا على العراق، دعني أقول لك، لو وجد سمو الأمير الحسن بن طلال آن ذاك من يتبنى أفكاره وطروحاته ويعمل على تطبيقها .. لما وصل بنا الحال إلى ما نحن عليه الآن من التردي والهوان.

قال صاحبي: حال من تقصد؟.

قلــــت: حال العرب والمسلمين طبعاً.

قــــال: كيف؟.

 قلت: ما من شك أن لا الظروف ولا الوقت يسمحان بتناول ذلك بالشرح المفصل على أني سأحاول إختصار الموضوع ببضع جمل، واللبيب بالإشارة يفهم.

 

     لا بد أنك تعرف سمو الأمير الحسن هو الذي بدأ يؤسس للحوار بين الأديان، وللحوار بين المذاهب، وللحوار بين الثقافات. وهو من دعا إلى الحوار بين الناس والنظام السياسي، الحوار بين الحاكم وبين المحكوم، الحوار بين كل الفئات على إختلاف أرائهم ومذاهبهم ومعتقداتهم الفكرية والدينية، الحوار بين الدول والشعوب على أساس القيم التي تجمع ولا تفرق.. كان ينادي بالقانون الإنساني ليأخذ مكانه في العلاقات الدولية بغية ترسيخه نظاماً كونياً .. بدلاً من قانون القوة. فالأمير يريد أن يكون للتراث وللثقافة وللإنسان الإعتبار الأساسي في العلاقات بين الدول، ذلك أنه كان يدرك خطورة التعصب العرقي والديني والمذهبي والطائفي والحزبي سواء بين أبناء الشعب الواحد أو بين الشعوب المختلفة، ويدرك أهمية الحوار بينهم للتلاقي على القيم والقواعد الأخلاقية المشتركة.

قال: أكمل!.

قلت: أظن في ذلك كفاية، والشاطر يفهم.

قال: ولكني أراك مهموماً وقلقاً مثلي.

قلت: صحيح إنني قلق على العراق، لكن تأكد بأن العراق سيبقى العراق وشعبه سيبقى شعب العراق، فأنا أشعر بالإطمئنان وحتمية النصر في النهاية ستكون للعراق الشعب والتاريخ والحضاره، مع أن سمو الأمير حسن كان قد نبه مبكراً إلى خطر الاستعمار الجديد للمنطقة والذي قد يبدأ بالعراق وينتهي بالمنطقة بأكملها. ولكن مصيره الفشل بكل تأكيد فهذه الحقيقة ترقى إلى مستوى الحتميات الدينية والتاريخية. والتاريخ البشري خير شاهد على ذلك.

قال: إذن .. ما بالك قلق ..؟.

قلت: يقلقني حال القدس والأقصى والصخرة وكنيسة القيامة، يقلقني الإستيطان. فمع ذكر القدس هل تعلم يا صاحبي أن سمو الأمير كان ينادي بأن القدس يجب أن تكون أول بند في المفاوضات بين العرب وإسرائيل.. وهو أول من حذر من الإستيطان الإسرائيلي وإعتبره عقبة أمام أية محادثات سلام.

قال: لنعد إلى موضوعنا الذي أتيت من أجله.. فأنا أعرف بحكم إرتباطك الوجداني والقيمي ستعود بنا إلى التجوال في منظومة سجايا أميرنا الشخصية بأبعادها وتجلياتها الإنسانية والقيمية المختلفة التي تعرف بداية لكنها يقيناً قد لا تعرف نهاية، كما قلت أنت نفسك في مناسبات سابقة.

قلت: إذا كانت هذه قناعتك فما الذي تريدني أن أتحدث به أو أضيفه عن سمو الأمير؟.

 

وبتلقائية غير معهودة فيه أبداً أجابني قائـلاً: أريدك هذه المرة أن تضعنا في صورة أميرنا المفكر.. والحاكم.. أريدك أن تضعنا في صورة إستجابه الأمير للتحديات وأهمها تحدي السلطة بكل مغرياتها المادية والمعنوية .. أريدك أن تتجول بنا في تراث الأمير الفكري الوطني والقومي والإنساني ، أريدك .. أريدك ..

       وما أن صمت صاحبنا حتى تخيل لي بأنه جاء هذه المرة وفي ذهنه ونيته أن يكون قطباً للإرسال لا للإستقبال.. فلو لم أقاطعه لإستمر إلى ما لا نهاية في منظومة مطالبه ..

قلت في نفسي.. أجل كل هذا يريد أن يعرفه مني تحديداً، صمت طويلاً وأنا في حيرة من أمري ولكني بادرته قائلاً:

يا صاح هذه موضوعات فلسفية وفكرية وسلطوية، وصدقني إن الحديث حولها يحتاج إلى مجهود ذهني وفكري يتعدى إمكانياتي وقدراتي الذهنية حالياً  فالأمر لا يدور حول قضايا إنسانية وسياسية عشتها وشاهدتها بنفسي، إذ أن الحديث حولها سهل وممتع، لكنك تطلب الحديث حول جوهر الأمير الفلسفي والفكري والثقافي والروحي والإنساني.

قال: وكأنه واثق للغاية. أعتقد جازماً بأنك من القلة القليلة التي لم تسقط في شباك النفاق السلطوي، فأنت من القلة الأقدرين على كشف شخصية الأمير الفيلسوف والمفكر والمجاهد والإنسان، بسبب إرتباطكم اللصيق الذهني والسلوكي طيلة سنوات عملك في معية سموه. ثم ألم تقل ذات مره ((بأن خدمتك تجاوزت مع سموه مائة عام على إعتبار كل سنه خدمه مع سمو الأمير تعادل خمس سنوات في أي مكان آخر في الدولة)).

قلت: أشكرك على هذا الإطراء وأرجو أن لا نكون قلة كما تعتقد فالناس كلهم خير وبركة. 

      ((أجل .. لا أنكر أن صاحبنا قد وضعني بأسئلته في حيرة من أمري.. هل أرده خائباً أم أحيله إلى بعض رجال الإختصاص والعلم ممن كانوا يتحلقون حول سموه ولكنهم تبخروا في معظمهم ؟ أم أسعى لتأمين مقابلة له مع سموه؟ هذا ما جال في خاطري للحظات..)).

     ثم قلت والبشر بادٍ على محياي: يبدو إنك تحب الأمير أكثر مني لهذا سأجيبك على قدر فهمي وبإختصار!!.

 

ربما تعرف يا صاح أن الفلسفة هى الحكمة.. وأن الفيلسوف هو الحكيم .. الحكيم بالمعني الشمولي للمعرفة في مجاليها النظري والتطبيقي .. وأميرنا بهذا المعنى فيلسوف وحكيم .. فما من موضوع أو مجال من موضوعات ومجالات العلوم المجتمعية إلا وكانت له فيها آراؤه وطروحاته التي لم تبق ضمن حدود الوطن .. بل تعدتها إلى شتى أنحاء العالم. فها هى أفكاره وآراؤه في العلاقات الإنسانية بأبعادها الوطنية والقومية والدولية باتت معروفةً في أوساط المفكرين والسياسيين والباحثين في أكثر من مكانٍ في العالم. لهذا كان محط إهتمام المحافل الدولية سواء الفكرية أو المجتمعية أو السياسية أو الدينية.

 

فأميرنا واحد من أبرز مفكري تلاقي الحضارات والثقافات والأديان، وكان له الفضل في مأسستها في إطار فاعل إذ أنشأ المعهد الملكي للدراسات الدينية والمجمع الملكي لبحوث الحضاره الإسلامية، مؤسسة آل البيت، ومنتدى الفكر العربي، ومنتدى الشباب العربي، والجمعية العلمية الملكية وغيرها الكثير .. ودعوته إلى تأسيس برلمان ثقافي يمهد الطريق أمام التقارب الأممي بأبعاده المختلفة.

أما تجربة الأمير في الحكم فلا أظن أن أحداً في الداخل والخارج يجهلها، ولكن أبرز سمات فلسفة الأمير بخصوص السلطة هو إصراره على التمسك بمبدأ الحكم في خدمة الشعب والأمه والإنسانية وبخلاف ذلك تنتفي الغاية من الحكم. هذا المبدأ هو الذي مكنه من مقاومة إغراءات السلطة المادية والمعنوية، وأن يتقبل قرار شقيقة صاحب الجلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال بنقل السلطة من يد سموه إلى يد ابن أخيه جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين  حفظهما الله برحابه صدر وإخلاص وتفان غير معهود، وأن يبتعد عن الأضواء والصالونات السياسية بتهريجاتها وحكاياها السلطوية اللامتناهيه. وبحكم مكانة سمو الأمير الفكرية وخبرته وحنكته السياسية أدرك جيداً مقتضيات التغيير المحلية والإقليمية والدولية وتقبلها عن طيب خاطر وإصرار على مكافحة الأنا والإلتزام بمنهج سمو المبادئ والأوطـان على غيرها من مصالح شخصية وألقاب… ألخ.

 

 

قال صاحبي: أرجوك أن تستمر.فالحديث جميل وممتع.

قلت: لقد تجلى سمو الأمير في فلسفته كمفكر وحاكم بطريقة تبلغ حد الكمال الأخلاقي برده على مقدمة برنامج الفضائية العربية الجديدة جزيل خوري بخصوص هذه الصالونات السياسية الأردنية والأسباب الإقليمية والدولية والشخصية حول إبعـاده عن السلطة قائلاً: "ربما دفعت أثمان كثيرة.. وما من أحد معصوم من الخطـأ، وربما أخطائي كثيـرة. ولكـن الحمدلله أخطائي لم تشتمل لا على الخيانة ولا على السرقة ولا على الكذب .. فربما كنت غير مجتهد بالقدر الكافي في السياسات البيزنطية وفي أشكال "الحسد" التي مع الأسف تشكل مجتمع المنافقين. وفي هذا المجال أقول أن الصدق مع الذات أمر أساسي في مستقبل هذه المنطقة...".

قال صاحبي: عظيم ما تقول!.

قلت: حقاً إن سمو الأمير يفعل ما يعتقد أنه صحيحاً صواباً وحقاً لا يهمه المديح أو الإطراء، إذ يختتم حديثة في الفضائية العربية بقوله:

"إذا كان لديكم عقل فنلتقي فكرياً هذا ما أدعو إليه. أما أحببتموني أو كرهتموني فالأمر عائد لكم".  

ولهذا حرصت "فضائية الـعربية" أن تدشن برنامجهـا "العربي" بحوارٍ مع سمو الأمير الحسن. ولهذا أختير سمو الأمير الحسن ليكون مقرراً للمؤتمر العالمي للديانات والسلام، وهو العضو العربي والمسلم الوحيد في عدد من المنظمات الدولية التي تعنى ببعض النزاعات، ورئيساً لنادي روما وغيرها من المؤسسات االفكرية وحوار الأديان والحضارات.

وبعد هل تريدني أن أستمر أم أن للحديث صلة؟!.

 

 

 

قال: وختاماً ماذا يمكنك أن تقول بعد؟.

قلت: أشكرك على هذا اللقاء المتجدد.. أريد أن أكرر ما سبق وإن ذكرته في العا م الماضي بهذه المناسبة ..  من لم يكن وفياً لقديمة لن يكون وفياً لجديده. هذه هى رسالتي للأجيال.

 

وختاماً أقول لسمو الأمير الحسن بن طلال المفكر والإنسان والمجاهد كل عام وأنتم بألف خير وحمداً لله على سلامتكم. 

20/3/2003

حوار مع صديق بمناسبة عيد ميلاد سمو الأمير - الحسن بن طلال كما عرفته (2) 20/3/2002

عبد الله كنعان

أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

سألني صاحبي     

هل لك ان تحدثنا عن سمو الأمير بهذه المناسب

قلت              

قلت لك في العام الماضي وقبله ان صفحات جريدتكم لا تكفي لو ارادت الكتابة عنه.

قال               

لم اقل لك تكتب بل تحدث.

قلت              

ان مئة شريط وشريط لا تكفي للحديث عن سموه.

قال               

إذن نسألك بعض الأسئلة فتجيب.

قلت              

هذا أفضل اقتراح، ولكن سأجيب بما اعرف وبما يحق لي الاجابة عليه، فهنالك أمور لا يجوز لمن عمل أو يعمل لدى الأمير ان يبوح بها لانها ملك للأمير وحده.

قال               

هذا حق: كيف حال سمو الأمير.

قلت              

بحمد الله بخير.

قال               

ما قصدت ان اسمع منك جواباً مقتضباً كهذا، بل أردت تفصيلا مثل هل هو سعيد؟! هل هو حزين؟! هل هو متألم؟!

قلت              

أعتقد ان كلها تجتمع عند سموه .. فهو سعيد وحزين ومتألم في آن معاً.

قال               

كيف تفسير لنا هذا؟

قلت  

مع ان السعادة نسبية إلا ان هناك قواسم مشتركة لدى الناس جميعاً في كثير من الأحيان فالإنسان يشعر بالسعادة إذا كانت صحته والعائلة بخير وعافية،ليس فيها مريض لا يرجى شفاءه،او عليل بحاجة دائما للرعاية والعلاج، أو فقير محتاج لياكل قوت يومه، أو شرير يسبب الإزعاج والمشاكل والسمعة السيئة لأسرته وأهله.

أما حزين... مع انني لا أملك الحق بالإجابة عنه إلا أنني سأجتهد، فاعتقد ان الحزن قد دخل إلى نفس سموه أكثر من مرة،كان آخرها حزنه الكبير يوم وفاة شقيقه الأكبر ورفيق دربه وعمره، وأستاذه منذ الصغر، جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين طيب الله ثراه.

و قبل حزنه الاكبر كان حزينا لما وصلت اليه احوال امتنا العربية الإسلامية وبالأخص القضية الفلسطينية، واعتقد ان هذا لا يحتاج إلى تفصيل أكثر، فسموه دائما يقول ان 80% من لاجئي العالم هم من المسلمين، وتعلم والناس كلهم يعلمون ان سموه كان يواصل اليل بالنهار طيلة ثلاث وثلاثين عاماً وهو ولياً للعهد، ساعياً ومجاهداً من أجل ان يحقق الأردن الاكتفاء الذاتي من الموارد، ويسدد المديونية، ويقضي على البطالة والفقر .... الخ، وكان يتمنى ان يصبح الأردن سنغافورة العرب.

قال               

ولماذا لم يتحقق ما كان يتمناه؟

قلت              

هذا سؤال يساله واحد مثلك وأنت سياسي مثقف.

قال               

وما الغريب في الأمر!

قلت              

تصوره انسان انه مسؤول ويريد ان ينجح أولاً، و ليساعد شقيقه الذي أولاه ثقته ثانياً، وليؤكد عمق رسالة الآباء والأجداد ليخدم الناس... كل الناس في الأردن الذين منحو العرش الهاشمي ثقتهم ثالثاً، ثم يجد انه كلما بنى وأسس جاءت قوى خفية لتهدم ما بناه وأرساه، وكأنها لم تكن وقد ذهبت مع الريح...، هل نسيت الكوارث التي حلت بامتنا العربية والتي أثرت على كل ما كان يخطط له سمو الأمير، وبما ان الشعوب الان مصابة بمرض النسيان وأخشى أن تفقد ذاكرتها، فدعني يا أخي أذكرك بالكوارث الهامة التي اثرت على حلم سموه وحلم كل أردني وعربي أيضاً منذ تسلم ولاية العهد عام 1965م، وهي: "حرب 1967م، واحتلال الضفة الغربية والأراضي العربية في لبنان والجولان ومصر من قبل اسرئيل، وخرب عام 1973م، والحرب الأهلية اللبنانية وبعدها الحرب الإيرانية-العراقية، ومن ثم حرب الخليج، فاي دولة في العالم ممهما كانت إمكانيتها وطاقتها لا تستطيع الصمود امام هذه الكوارث وما  جرته على العرب بشكل  عام وعلى الأردن خاص".

قال               

لا تؤاخذنا، فهذا لم تخطر على البال.

قلت              

يا صاحبي، انت تسالني عن أمير غير عادي، أمير كان حلمه كبيراً، وحلمه ثقيلاً، والإمكانيات ضئيلة، والطريق غير معبدة، فهو مسؤول مع قمة الهرم.

قال صاحبي    

ما كل ما يتمناه المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن قل لنا كيف هو متألم؟ وما الذي يحز في نفس سموه؟

قلت              

سأجيبك على هذا السؤال في نهاية الحديث.

قال               

المشروع النهضوي الحضاري.. لم تحدثنا عنه.

قلت              

إن الحديث عنه طويل، ولكن دعني أوضح لك أولاً بأن رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني "وهي  رسالة ذكية ورائعة" إلى سمو الأمير الحسن بن طلال حفظهم الله، ورسالة سموه الجوابية حول هذا الموضوع، كان لها اثر كبير في نفوس كل المحبين والمخلصين والأوفياء نظراً لما تضمنته الرسالتين من معان وعبارات جميلة، تؤكد للقاصي والداني عمق المحبة والتقدير والاحترام الذي يكنه جلالة الملك إلى عمه سمو الأمير، واستعداد سموه لخدمة جلالته على الدوام، والدعم اللامحدود من جلالته إلى سموه،  لاستئناف هذا المشروع ولمن يرغب في الاطلاع عليه، فمحاضر سمو الأمير حوله كانت في الجامعة الأردنية يوم 14 كانون الثاني 2002 م، كما انني كتبت حول المحاضرة مقالاً نشر في صحيفة الأسواق الصادرة يوم 27/1/2002 م، تحت عنوان "الحسن بن طلال والمشروع النهضوي الحضاري .. دعوة للإبداع وليس لاجترار"، ففي تللك المحاضرة ألقى سمو الأمير الكرة في ملعب رجال الفكر والعقيدة، والثقافة والأدب، وأساتذة الجامعات، ولكن يؤسفني أن أقول لك بأننا لم نسمع من احد منهم ولو كلمة حتى الآن، بينما كانوا يملؤون صفحات الجرائد وهم يعلقون على كل كلمة قالها.

قال               

هل لك ان تحدثنا عن المهام التي يتولاها سموه الآن.

قلت              

بالإضافة إلى مسؤولياته المباشرة عن المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا والدوائر التابعة له، واللجنة الملكية لشؤون القدس، ومنتدى الفكر العربي، والمعهد الدبلوماسي، والمعهد الملكي للدراسات الدينية، والجمعية العلمية الملكية، والأكاديمية الإسلامية للعلوم، هنالك مهمات ومسؤوليات أخرى خارج الأردن، فهو عضو في المجموعة الاستشارية غير الرسمية التابعة للمفوضية العليا للاجئين، وعضو مؤسس ونائب الرئيس في مؤسسة البحوث والحوار بين الأديان والثقافات التي مقرها جينف في سويسرا،كما أنه رئيس المؤتمر العالمي حول الدين والسلام،كذلك سموه رئيس لنادي روما، ورئيس اللجنة الاستشارية الخاصة بالسياسات في المنظمة العالمية للملكية الفكرية، وعضو للهيئة الدولية لمجلس العلاقات الخارجية، وعضو فخري في اللجنة العالمية للثقافة والتنمية التابعة لليونسكو، وعضو اللجنة الاستشارية الدولية للحوار بين الاديان التابعة لمنظمة اليونسكو.

قال               

يكفي أعانه الله.

قلت              

لهذا تجده كثيراً من الأوقات خارج البلاد.

قال               

يقولون ان سمو الأمير لديه أعمال تجارية، ومساهم كبير في بنك الإسكان.

قلت  

أرجو إن تصغي إلي جيداً، ولن أطيل لك الشرح في هذا المجال ويكفي أن أختصره على النحو التالي: منذ أن تشرفت بالعمل بمعية سموه، وعلى مدى السنين الطويلة، كان سمو الأمير يرفض مقابلة أي من أصحاب الشركات الكبرى، أو رجال أعمال من التجار، سواء في الداخل أو الخارج إذا كان موضوع المقابلة يتعلق بصفقات تجارية معينة، مهما كانت نوعها، إذ كان يردد حينها قولاً مأثوراً "الإمارة والتجارة لا يجتمعان".

أما حكاية بنك الإسكان فكاي مشروع من مشاريع التي تهم الأردن، اهتم سمو الأمير بهذا المشروع، وكان مديره العام ومجلس إدارة هذا البنك يطالبون دعم سموه ونصائحه لكي ينهض هذا البنك من أجل تحقيق الأهداف التي أنشئ من اجلها، وكدعم معنوي، فقد فتح لأولاده وكانوا أطفالاً حسابات توفير لم تتجاوز بعض عشرات من الدنانير لكل دفتر توفير، وكشوفات البنك معلنة وواضحة مثل الشمس، هذه كل الحكاية. ثم لو كان تاجراً أو مساهماً كبيراً في بنك الإسكان أو غيره، لما كان مضطرا لطلب المساعدة من بعض الأصدقاء ليتمكن من تغطية نفقات مكتبه الذي كان يضطلع بمهام كبيرة تزيد من نسبة المخصصات التي ترصدها الموازنة له.

قال               

مبتسما... قل لنا ما الذي يغضب سمو الأمير؟ أم انه دائما غاضب!

قلت              

فهمت ما ترمي من سؤالك وابتسامتك، فالناس يشاهدون سمو الأمير على الشاشة أو الصحافة وهو جاد كثيراً، أو مقطب الحاجبين، فإذا عرفت شخصية سموه تستطيع أن تعرف الإجابة، فسموه بالعمل لا يعرف اللهو واللف والدوران، والمماطلة والتقاعس، أو تأجيل عمل اليوم إلى الغد، أو عمل الصباح إلى المساء، أو عمل المساء إلى اليوم التالي، فهو يعتبر سرعة انجاز العمل والإخلاص والقيام بالواجب عنصر هام من عناصر بناء الوطن، وصفات يجب توافرها بالمسؤول، لذلك تراه جاداً ومنشغل الفكر، إلى حين انجاز العمل، وتراه غاضبا، إذا لمس تقاعسا أو إهمالاً. أو الشعور بالمسؤولية من الموظف أو المؤسسة أياً كان مركزه  أو صفته، فليس لديك عند الحسن بن طلال أي عذر في اهمال اي عمل أو تأخير في انجازه.    

قال               

سمعت أحدهم يقول أخطئ مع الحسين ودير بالك تخطئ مع الحسن.

قلت              

من تجريبتي .... هذا صحيح، ذلك يعتمد على نوع الخطأ، فبقدر ما يغضب سموه بسرعة ... بقدر ما يهدا بسرعة، فإذا ما شعر انه قساة عليك وأغلظ في كلامه معك يحاولان يسترضيك بطريقة وأخرى ويعفو عنك.

قال صاحبي    

يقال بانه طيب القلب.

قلت              

صدقت، صدقني ان قلت لك بأن قلبه مثل  قلب الطفل طيبة وحناناً، وإنسانية، ومشاعر وعطف، لكنه مثل قلب لأسد شجاعة وإقداماً وشهامة ومروءة. وصدره فقد وسع الدنيا بسمائها وأرضها وصلب عند الشدائد مثل الصخر.

قال               

صحيح، وأكبر تجربة على ذلك يوم تلقى رسالة جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال قبل وفاته.

قلت              

ذكرتني الآن لأجيبك لماذا هو متألم، إلى جانب الكبير كما قلت لك، وهو اعتقادي أن الوقت لم يسعفه ليتمكن من الدفاع عن نفسه، إذا كان قضاء الله وقدره أسبق لينتقل صاحب الرسالة المغفور له بإذن الله إلى الرفيق الأعلى.

قال               

هل تريد كلمة أخيرة تقولها بهذا المناسبة.

قلت              

لي كلمة أخيرة في حوارنا اليوم وهي دعائي إلى الله العلي القدير ان يديم الصحة والعافية على جلالة الملك عبدالله الثاني سمو الأمير الحسن بن طلال، ويحفظهم من كل سوء ومكروه.

 

و كل عام وانتم بخير

20/3/2002

الحسن بن طلال كما عرفته - " حوار مع صديق بمناسبة عيد ميلاد سمو الأمير " 18/3/2001

عبد الله كنعان

أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

قال صاحبي :

هل تذكر في العام الماضي وبمناسبة عيد ميلاد الأمير الحسن بن طلال، عندما طلبت منك أن تقول شيئاً فاعتذرت لي رغم إلحاحي عليك، حتى أنك كتبت معتذراً على صفحات الجرائد مقالك المعروف " معذرة سمو الأمير ".

قلت :

نعم أذكر ولا زلت عند رأي، لم يتغير شيء وكما قلت لك في العام الماضي أن كل صفحات جريدتكم، لا تكفى أن أردت الكتابة بهذه المناسبة.

قال صاحبي :

إذن لنتفق .. فأنا ما زلت مصراً على أن تكتب ولو كلمة أو كلمتين، جملة أو جملتين.

قلت :

كيف يكون هذا.

قال صاحبي :

أريد منك فقط أن تقول لي، بسطرين الحسن بن طلال كما عرفته ؟!

قلت :

هل تعلم أن هذا العنوان مستعار من كتاب " الملك عبد الله كما عرفته " لقريبي الاستاذ المرحوم تيسير ظبيان.

قال صاحبي :

كيف هو قريبك.

قلت :

مع أن هذا خارج الحديث لكنني سأجيبك عليه : تيسير ظبيان هو من عائلة الكيلاني وهو حفيد الشيخ الجليل شريف ظبيان الكيلاني ووالدة والدي اي جدتي هي حفيدة الشيخ نفسه.

قال صاحبي :

الآن عرفت علاقتك بآل الكيلاني التي كانت دائماً موضع تساؤلي، ولنعد الى حديثنا وأقول الآن تذكرني بكتاب تيسير ظبيان عن الملك المؤسس، فقد نسيته فعلا لأنني لم أطالعه بل سمعت عنه.

قلت :

اذن ما تريده في سطرين لا يمكن أن يكون كذلك.

قال صاحبي :

لربما كنت تخشى … وصمت.

قلت :

أخشى ماذا يا صاح…؟ماذا تعنى

قال :

أن تكتب عن سمو الأمير .

قلت :

أريدك أن تفهم شيئا هاما ألا وهو :

أولاً :

أن من لا ولاء ووفاء لقديمه لا ولاء ولا وفاء لجديده.

ثانياً :

أن محبتنا وإخلاصنا للهاشميين جميعهم على اختلاف مواقعهم ومراتبهم وجلاله الملك على رأس الجميع.

ثالثاً :

كثيرون يحاولون التشكيك والتفريق بين أفراد العائلة المالكة الهاشمية، وأحب أن أكد لك أنني أعرف تمام المعرفة صدق محبة الأمير حسن لأبن أخيه جلاله الملك عبد الله الثاني   حفظهم الله.

وأعرف تماما محبه واحترام وتقدير جلالته إلى عمه سمو الأمير، فالدم لا يصير ماءً على الإطلاق. فما تسمعه من   أقاويل وإشاعات يقصد منها بعد الأخ عن أخيه أو العم عن   ابن أخيه أو وجود اى خلاف بينهم هي من خيال المروجين   والذين لا شغل لهم أو لمن يريدون تعكير الجو..فالكبار لا يلتفتون إليها على الإطلاق.

أريدك أن تفهم شيئا هاما ألا وهو :

أن من لا ولاء ووفاء لقديمه لا ولاء ولا وفاء لجديده.

أن محبتنا وإخلاصنا للهاشميين جميعهم على اختلاف مواقعهم ومراتبهم وجلاله الملك على رأس الجميع.

كثيرون يحاولون التشكيك والتفريق بين أفراد العائلة المالكة الهاشمية، وأحب أن أكد لك أنني أعرف تمام المعرفة صدق محبة الأمير حسن لأبن أخيه جلاله الملك عبد الله الثاني   حفظهم الله.

وأعرف تماما محبه واحترام وتقدير جلالته إلى عمه سمو الأمير، فالدم لا يصير ماءً على الإطلاق. فما تسمعه من   أقاويل وإشاعات يقصد منها بعد الأخ عن أخيه أو العم عن   ابن أخيه أو وجود اى خلاف بينهم هي من خيال المروجين   والذين لا شغل لهم أو لمن يريدون تعكير الجو..فالكبار لا يلتفتون إليها على الإطلاق.

فولاء الأمير الحسن للعرش والوطن معروف وساطع   كالشمس لا يحتاج إلى برهان، والجميع يعرف أنه لو أراد   غير ذلك حينما كانت السلطة بيديه لفعل. لكنك شاهدت وشاهد العالم أجمع كيف تصرف حينما حصل التغيير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى حسب ما أعتقد وأعرف عن سمو الأمير بأن خبراته ومعرفته في خدمة العرش والوطن إذا طلب منه ذلك، وبغير هذا فهو لا يسعى ولا يعمل ولا يطمح إلى ذلك فلديه الكثير الكثير مما ينشغل فيه ويعمل له، فهو على المستوى الدولي معروف تمام المعرفة في مختلف الأوساط الفكرية والعلمية والثقافية والسياسية، ولديه من الدعوات لحضور المؤتمرات والندوات وغيرها من الإجتماعات ما لا يتسع له وقته، كما أن إنتخابه رئيسا لنادى روما على المستوى الدولي سوف يشغله في كثير من الأوقات.

قال صاحبي :

مقاطعا، أرجوك أن تعطيني فكرة عن رئاسة سمو الأمير   لنادي روما، فقد سمعنا عنها لكن أراهنك أن أحدا لا يعرف شيئا، وليست طرفة إذا قلت لك أن أحدهم قال لنا في جلسة   كنا فيها عندما خرجت الصحف بإعلان انتخاب سمو الأمير الحسن رئيسا لنادى روما .

قلت :

أنا معك أن من يعرف عن نادى روما لا يتجاوز عدد أصابع اليد إلا من كان مختصا ومعنياً بذلك.

ولكن ما الطرفة التي ذكرت؟

قال :

علق أحدهم قائلاً : شو رايح يعمل سمو الأمير في روما لرئاسة ناد رياضي والله سيأخذ بطولة العالم. وآخر قال : أنا أعرف هواية سمو الأمير القديمة وحبه للعبة كرة القدم ونادى روما كما تعرفون مشهور بهذه اللعبة …

قلت :

سأوجز لك تعريف نادي روما لأن الحديث عنه طويل، فهو منظمة غير ربحية ومكتب الأمين العام يقع حاليا في مدينة هامبورغ في ألمانيا وكانت قبل ذلك في روما وسمي باسم نادي روما لأن تأسيسه كان في روما والاستراتيجية العامة لنادي روما تتوخى تشييد صرح فلسفة خاصة به، بصورة تدريجية، تتمحور حول عدد معين من المعتقدات المتينة الخاصة في  بحث المشكلات الخطرة التي عجزت الحكومات عن حلها والسعي لإيجاد حلول لها ومتابعة الأفكار حولها،ويعقد النادي لقاءه كل عام في بلد مختلف، ويحاول استقطاب أناس جدد في مجالات اختصاص مكمله لبعضها فهو يضم الآن حوالي مئة مشارك من52 بلدا يحملون لقب (أعضاء نادى روما)،   فالنادي ينظر إلى نفسه باعتباره (مجموعة من مواطني العالم لديهم اهتمام مشترك في مستقبل الانسانية ويقومون بدور إيجابي في تنشيط النقاش العام ورعاية البحوث والتحريات والتحليلات للقضايا الإشكالية وتوجيه انتباه صانعي القرار إليها). فمهمته الأساسية يمكن إيجازها هي القيام بدور عامل مساعد Catalyst يدفع إلي التغير على نطاق عالمي وبشكل غير رسمي ويسهم في زيادة التفاهم.

ولقد اثبت النادي كفاءة جيدة في القيام بدوره سابقا وبانتخاب سمو الأمير الحسن رئيسا له سوف يزداد نشاطه وكفاءته،وهذه الثقة الدولية بالحسن بن طلال ما كانت لولا تمتعه بالسمعة العالمية ومعرفة المفكرين في كل دول العالم بمدى ما يتمتع   به من علم ومعرفة وثقافة واسعة.

((هنا توقفت))

قال صاحبي :

لقد أدخلتك في حديث خارج عن الموضوع،فأنا أسف لذلك. فهل نعود إلي موضوعنا لنتحدث عن الحسن بن طلال إذن بعدما ذكرت.

قلت :

يا صاح .أريدك أن تعرف أن الحديث عن الحسن بن طلال  ليس المقصود بذاتـه على الإطلاق، ولن أقول لك أنني أخشى أن يعتبرني الآخرون أنني أقصد أن أمتدح الحسن بن طلال أو أجامله ..فمن يعرفني جيدا يعلم بأنني لست والحمد لله من المدّاحين ولا أقول الا ما أعتقد أنه الصح أو الحق أو ما يجب أن يقال كما أنني لست من الساعين لكسب المال   بواسطة التصفيق و النفاق أو قول المدح أو الذم بمناسبة أو بدون مناسبة وإلا ما رأيتني مديوناً على الرغم من عملي وخدمتي الطويلة، ثم أن الحسن بن طلال لا يحتاج الى من يمدحه بعد أن وصل الى ما وصل إليه من مكانه علي الصعيدين العربي و الدولي.

قلت :

لقد أنسيتني كثيراً مما كنت سأقوله، لكني أعود لأذكرك بأن الحديث عن الحسن بن طلال هو حديث عن الأردن وتاريخه خلال حقبة من الزمن تتجاوز ثلث قرن في عدد السنوات وتتجاوز القرن في الانجاز والعمل.

قال :

كيف تفسر لي ذلك.

قلت :

لقد كان يوم العمل عند الحسن بن طلال والعاملين معه بثلاثة أيام اذا ما قورن العمل مع دوائر ومؤسسات أخرى في   الدولة، وقدر أنت اذن السنة بثلاثة وهكذا يكون ناتج العمل أكثر من قرن.

قال :

لم أفهم هذه النقطة كثيراً.

قلت :

لم يكن ليضيع الحسن بن طلال يومه باللهو والمرح مثل كثيرين من أصحاب السلطة والنفوذ، فقد كان مهموماً بقضايا الأردن ونهضته ورفعة شأنه ليساعد شقيقه المغفور له باذن الله جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله في حفظ الأردن وسلامته واستقراره، كان دائم البحث عن موارد مالية لتسعف الأردن وتنقذه، كان دائم التجوال ساعياً للحصول على معونات اقتصادية وعلمية من هنا وهناك، كان يحمل الهم الوطني وعلاقات الأردن مع الجوار وخلف الجوار، كما كان يحمل   الهم العربي والاسلامي وعلاقاتهما مع بقية دول العالم، لم   يكن يعمل فقط على نطاق ضيق، بل كانت نظرته شمولية دائماً، كان يحب أن يجعل الأردن جزءاً لا يتجزأ  من أمته العربية والاسلامية، ومن لا يصدق .. فالوثائق والتقارير والمراسلات ومحاضر اللقاءات والاجتماعات كلها موجودة وتشهد على ما أقول.

قال صاح :

ماذا تعني أنه لم يضيع وقته باللهو والمرح ؟

قلت :

سأجيبك عن هذا باختصار وأنت عليك أن تفهم، لقد كان   سموه ملتزماً مع عائلته وأسرته ويشغل كل وقته في العمل وهنالك طرائف تحكى على العاملين معه كثيرة في هذا المجال …

قال :

أرجوك واحدة منها .

قلت :

ليس هذا موقعها .. لكنه ألح وأصر وألح .

قلت :

قيل أن من يعمل مع الحسن بن طلال ينسى أنه متزوج وإذا حضر للمنزل يطلب الأولاد من أمهم أن تعرفهم على الضيف القادم آخر الليل والمغادر قبل شروق الشمس  وهنالك قول لرئيس وزراء سابق، فقد سمعت عنه أنه قال : (( كل يلي بيعملوا مع سيدي حسن إلى الجنة )) كناية عن العمل المتواصل الذي يبذله سموه ليل نهار وعن الجهد الكبير الذي يقوم به هؤلاء، ويقال أن من يسافر مع سموه في رحلة خارج البلاد   لا يعرف إلا الفندق الذي ينزل   فيه ومكان الاجتماعات وقد يشاهد من الطائرة بعض المباني والشوارع وأرض المطار …؟

كما يقال أن العاملين معه يهلوسون في نومهم بقولهم نعم سيدي هى الخطة جاهزة ….. والتقرير بعد قليل …

قلت لصاحبي :

على ذكر الخطة، أذكر أن سمو الأمير منذ أن تسلم ولاية   العهد في الستينات بدا يجتمع مع المسؤولين لإعداد الخطط الخمسية والثلاثية ويقال أن المرحوم وصفي التل في معرض حديثة مع سمو الأمير حول دوام بعض المسؤولين وتأخرهم عن الحضور اذ طلب سموه بدء الاجتماعات في الساعة السابعة أو السادسة صباحاً قال وصفي يا سمو الأمير الناس ما   بتعرف انو عندهم أمير حراث مثلك طول بالك شوية       عليهم … أرجوك .

هنا وقفت آخذ رشفة ماء وتنهدت بعمق وشعر صاحبي وكأني أشعر بضيق وألم …

قال :

ما بالك …

قلت :

ذكرتني بوصفي التل هذا الذي خسره الأردن ولن يعوض،

قال :

ليس حديثنا.

قلت :

انها فرصة لأقول لك عن بعض مشاعري نحو هذا الرجل   الذي افتقدناه. كنت مثل كثيرين غيري أعتبره خائناً وغير وطني للأردن ولا للعرب بتأثير الدعاية المغرضة والغوغائية، وبعد أن وعيت على الدنيا والسياسة وبعد أن   اطلعت على الأوراق المستورة وغيرها، عرفت كم كان هذا الوصفي وطنياً مخلصاً لفلسطين أولاً وللأردن وللعرب ثانياً، نعم خسرناه رحمة الله عليه.

قال صاح :

أكمل عن سمو الأمير

قلت :

إلا يكفى ما قلته عن الحسن بن طلال

قال :

انك لم تتحدث عنه شيئاً .

قلت :

اسمع سوف اختصر لك بعض ما أعرفه من معلومات ولا تطالبني بأكثر.

قال :

موافق

قلت :

لا ، بل بعض الأسطر لتأخذ فكرة عن " الحسن بن طلال كما عرفته " فأبدى صاحبي سروره وجلس منتظراً وبلهفة وشوق يريد أن يسمع ما أقول :

قلت :

أنت تعلم بأنني كنت نائباً لمدير مكتب سموه حفظه الله لسنين طويلة، ويقع تحت مسؤوليتي المباشرة كثيراً من المهام التي لا مجال لحصرها الآن ومثلي بعض الزملاء والزميلات كل منا يحمل مهام لها أول وليس لها آخر، متعددة ومختلفة، وهذا أتاح لي الاطلاع على معظم الأعمال والأوراق والوثائق والرسائل الخاصة بسموه، لذلك يقال بأن العمل مع الحسن بن طلال هو مدرسة وجامعة، يتخرج الواحد منها بأعلى الكفاءات   والقدرات والخبرات.

قال صاح :

لهذا يعتبر كثيرون أن من يتخرج من مدرسة الحسن بن طلال بعد خدمة طويلة في مدرسة سموه، يصبح مؤهلاً لتسلم أهم وأعلى المناصب في الدولة.

قلت :

أنت تقول ذلك … أنا لم أقل.

قال :

نعود الى حديثنا، أرجوك أكمل.

قلت :

كما وعدتك بضع أسطر فقط وأكتفي لأنني اذكرك بما قلته لك في البداية أن كل صفحات جريدتكم لا تكفي للحديث عن   الحسن بن طلال، لهذا سأورد لك بعض الأرقام والمعلومات وأترك لك وللآخرين تقدير حجم العمل الذي كان يقوم به الحسن بن طلال وكذلك مدى ما كان يلم به ويعرفه سموه، والذي كان كله موضوعاً لخدمة الأردن وأهله في بواديه وقراه ومدنه وخدمة أمته العربية والاسلامية وخدمة القضية الفلسطينية. وقبل كل ذلك كان يخدم العرش وصاحب العرش بكل الاخلاص والوفاء الذي عرف عنه وأثبته التاريخ.

ففي احصائية غير مكتملة بلغ مجموع محاضرات وخطابات وكلمات ومقابلات سمو الأمير في مختلف المناسبات منذ عام 1976م وحتى عام 2000م والموجودة في أرشيف الاذاعة والتلفزيون ومكتب سموه حوالي ألف وثلاثمائة واثنان وعشرون ما بين محاضرة وكلمة وخطاب.

ان اي محلل أو حتى مطلع فقط على هذا الرقم يدرك من هو الحسن بن طلال وما هو حجمه وماذا كان دوره على النطاق المحلي والاقليمي والدولي، هذا من جانب أما الجانب الآخر   فلم يحصى بعد عدد الزيارات التي قام بها سمو الأمير الى مختلف بقاع العالم وماذا كان يفعل في كل زيارة وماذا حققت كل زيارة للأردن، فالأردن كما تعلم بلد صغير في امكانياته بل تكاد أن تقول ليس لديه أية موارد يمكن الاعتماد عليها سوى الطاقة البشرية وبعض الموارد البسيطة الأخرى ومع ذلك فقد استطاع بفضل المسيرة السابقة التي قادها جلالة المغفور له الملك الحسين رحمه الله وسمو الأمير الحسن أن يصل بأمن وسلام الى أن تسلم القيادة جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله ليكمل المسيرة ويستجمع قوة الأردن من جديد ويعيدها   الى الساحة العربية والدولية لتوظيفها   لخدمة الأردن والأردنيين وخدمة أمتنا العربية والاسلامية تماماً كما سعى   لها الآباء والأجداد.

وكذلك لم أذكر لك كم عدد من واساهم سمو الأمير ودخل منازل عزائهم أو أرسل مندوباً عنه وسأذكرها في حديث آخر ان   شاء الله، وكذلك كم عدد من استضافهم ودعاهم سمو الأمير للحوار وناقش معهم هموم الوطن وأبنائه، وكذلك كم عدد الذين طلبوا مقابلته من شيوخ ووجهاء وعسكريين وأساتذة جامعات ووزراء وأعيان ونواب ومواطنين عاديين.

قال صاح :

أرجوك استرسل هنا.

قلت :

أنا أفهم قصدك سأقول لك باختصار، هنالك المئات ممن كانوا يطلبون مقابلة سمو الأمير وكان لكل منهم طلباً خاصاً به، وأكيد تريد أن تسألني أين هم الآن …

قال صاح :

نعم.

قلت

الأفضل أن لا نتكلم ودعني أقول لسمو الأمير بمناسبة عيد ميلاد سموك " كلل الله حياتكم بالسعادة والهناء وراحة الفكر وهدوء البال وحماكم من الدساسين والمنافقين وحفظكم من كل سوء ومكروه ".

وكل عام وأنتم بخير

18/3/2001

في عيد ميلاد سمو الأمير الحسن 20/3/2000

بقلم عبدالله كنعان

أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

معذرة سمو الأمير

قال لي صاحبي: نعلم انك عملت مع سمو الأمير الحسن بن طلال ربع قرن وكنت من أقدم العاملين في مكتبه،  وكنت قريبا منه في معظم الأحيان كل يوم وكل ساعة منذ الصباح حتى المساء.

وشاهدته في أيام الفرحة مثلما شاهدته في أيام حزنه كما شاهدته وهو في اشد حالات الغضب مثلما شاهدته في حالات سروره.

و عليه نريدك ان تكتب بمناسبة عيد ميلاد سموه واخذ يطلق علي من الصفات بعضها أصاب فيها وبعضها بالغ في وصفها وبعضها تمنيت ان تكون صحيحة كل ذلك ليغريني بالكتابة.

قلت لصاحبي : أرجو ان تعذرني.... ولكنه ألح في طلب وأنا اعتذر له وبعد طول حوار:

قلت له اعتذر لأنني ان أردت الكتابة باختصار فاحتاج إلى صفحات...

وان كتبت بالتفصيل،  احتاج إلى مجلدات ، فماذا تريدني ان اكتب ....؟ هل اكتب لك عن أمير ليس كمثل الأمراء..

أمير يستيقظ منذ الفجر،  يمارس الرياضة في الصباح،  ويأخذ أولاده إلى للمدرسة مثل كل الآباء عندما كانوا صغارا...ثم يعود للمنزل فيتناول طعام الإفطار مع العائلة ثم نراه قد سبقنا إلى الدوام . أمير يعيش مع عائلته مثل أي مواطن عادي تماما يسكن في بيت متواضع جدا،  وعندما كبر الأولاد اضطر ان يضيف غرفة نوم لكي تتسع لهم . واضطر لان يوسع المطبخ وهو مثل أي مطبخ عائلة متوسطة الحال ..أثاث منزله مثل أثاث أي منزل عادي جدا، بسيط للغاية،  غرفة ضيوف عبارة عن بهو المنزل ويمكن ان نسميه الموزع تحتوي على "صاجلونات" مفروشة بالبسط الكركية،  و منها تنتقل إلى مختلف غرف الدار، ...

هل اكتب لك عن أمير كيف يربي أولاده، و كيف تتعامل زوجته وأولاده مع ضيوفهم،  وكيف يستقبلون الضيوف ويقدمون لهم الشاي والشراب والطعام بأنفسهم،  وكيف يسالون كل ضيف إذا أكل أو شرب من هذا الصنف أو ذاك وإذا كان مسرورا وكيف تتوزع العائلة بين الضيوف يجاملونهم ويتحدثون إليهم واحداً واحداً.

 أم اكتب عن دوامة وبرامج عمله اليومي والأسبوعي والشهري والسنوي كلها تسجل أولاً بأول وتثبت على الجدول عندما يأتي الصباح لا نعرف متى يغادر وبعد ان يغادر، يكمل برنامجنا بعد المساء.

أم اكتب عن إفطار العمل أو الغداء العمل أو عشاء العمل.و السبب ضيق الوقت وزحمة المواعيد،  فينجز الكثير بواسطة (الطعام مع العمل).

أم اكتب عن نظام (Staff Meeting)    وكان يعتقده كل صباح وأحيانا كل أسبوع يجتمع مع   كل العاملين معه،  ويناقش معنا كل صغيرة وكبيرة،  يطالع البريد بحضورنا ورقة ورقة وكل ورقة تلد أوراقاً والأوراق يخرج منها تعليمات لنا كل حسب اختصاصه وفي كل طلب تخرج إجراءات وفي كل إجراء تخرج اجتماعات وفي كل اجتماع تخرج لجان وفي كل لجنة تفرز ندوة وفي كل ندوة تفرز مؤتمرا أو مؤتمرات وفي كل مؤتمر تخرج مئات الأوراق والأبحاث والدراسات والزيارات وفي كل زيارة تجهز الترتيبات،  وفي كل ترتيب تخرج علاقة واتصالات، و في كله ينشغل المئات من الموظفين في كل أجهزة الدولة.

نظرت إلى صاحبي وإذا به مشدود النظرات صامتا لا يريد مني ان اقطع الكلام.

فقلت له ألا يكفي، قال : لا أرجوك أكمل : قلت: أنا لا اكتب إنما أتساءل وسأكمل تساؤلاتي هل تريدني ان اكتب عن زياراته وجولاته المحلية، و عندما كنا نسأله لماذا تريد الوزراء في مرافقة سموكم. كان يبتسم ويقول: بعضكم لا يعرف الأردن إلا عمان نريد ان نعرفهم على وطنهم،  فالأردن ليست عمان فقط وأهل الأردن ليسو أهل عمان فقط.

هل اكتب عن جولاته في أقسى الأحوال الجوية الصعبة يمر على القرى والمدن والبادية والمعسكرات،  يلتقي براعي غنم ويجلس معه ويلف له سيجارة "هيشة" يسأله عن حاله وأوضاعه.

هل اكتب كيف شاهد عشيرة تلتحف بالسماء وتفرش الأرض وكان لها بعد ذلك إسكان تأوي إليه.

هل اكتب عن متابعة للاستيطان الإسرائيلي منذ قيام أول مستوطنة في الأراضي العربية المحتلة وإنشاء وحدة خاصة في مكتب لهذه الغاية،  خرائط أولاً بأول.

هل اكتب كيف كان يقدم الخرائط العلمية للضيوف عندما يحدثهم عن الاستيطان وخطره على السلام.

هل اكتب عن الضيوف الذين غير برنامج  زيارتهم للأردن وادخل عليها جولة من مخيمات اللاجئين والنازحين ليشاهدوا بأم أعينهم عذاب الشعب الفلسطيني وكثر منهم تغيرت نظرته للقضية الفلسطينية بعد ذلك.

هل اكتب عن زيارات الأمير خارج الأردن والتي رافقته في بعضها، كان إذا وجد فرغا في البرنامج المزدحم منذ الصباح حتى المساء كان يطلب تعبئة الفراغ بزيارة مصنع أو مكان ثم يقعد في المساء بعد المساء جلسة عمل للوفد المرافق معه يقيم النتائج أولا بأول، و يوزع الطلبات والإجراءات التي يجب ان تتخذ بعد كل زيارة.

هل اكتب عن رفضه إدخال وقت للتسلية واللهو على برنامج زيارته.

أم اكتب عن شهر رمضان الذي لم يكن ليتناول فيه طعام الإفطار مع عائلته إلا ما نادرا، فقد كان فرصة لعقد لقاءات على الإفطار مع كافة الفعاليات والقطاعات المختلفة في البلد.

أم اكتب عن سؤاله الدائم والمستمر إذا ما قرأ أو اطلع على حالة إنسانية،  ولا يكف عن السؤال قبل ان يتلقى الإجابة بحلها أو مساعدة أصحابها.

أم اكتب عن مئات الإعلانات التي كان يوزعها خارج عمان وبصمت كامل دون إعلان في مختلف المناسبات الدينية.

أم اكتب عن مقابلاته لمختلف الشخصيات الأردنية ثلاث مرات في الأسبوع،  وكم عدد من قابلهم في اليوم الواحد.

أم اكتب عن متابعاته لكل صغيرة وكبيرة من الواجبات المطلوبة من المسؤولين.

أم اكتب عن تذكره وسؤاله عن الذين خدموا مع أجداده وآبائه ومعه.

أم اكتب عن حرصه الكامل والشديد لسمعة الأردن وشعب الأردن ومصلحة الأردن.

أم اكتب عن تواضعه وتسامحه مع من يخطئ .

أم اكتب عن أفكاره في دعم وتوطيد علاقات الأردن مع أشقاءه العرب ومع الدول الإسلامية والدول الصديقة والتي كانت بواسطة زياراته ولقاءاته ورسائله الكثيرة جدا.

أم اكتب عن الأهداف النبيلة التي كان يسعى إليها بإنشاء منتدى الفكر العربي حتى يجعل التواصل قائما بين مفكرين العرب بعضهم مع بعضهم وبينهم وبين الآخرين في مختلف دول العالم وبإنشاء المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية مؤسسة آل البيت حتى يجعل وحدة علماء الأمة الإسلامية عملا لا قولا.

وبإنشاء المعهد الملكي للدراسات الدينية، من اجل تقريب التفاهم بين وجهات النظر بين إتباع الدينيات من جهة وتخفيف حدة الهجوم على الإسلام من جهة أخرى.

أم اكتب عن الحوار الإسلامي المسيحي الذي بدأه سمو الأمير من اجل خدمة الإسلام والمسلمين وتوضيح الرسالة الإسلامية السمحة والتقرب والفهم والتفاهم بين الديانتين السماويتين وأتباعهما.

و بإنشاء منتدى الشباب العربي، من اجل إيجاد قاعدة شبابية كبيرة يلتقي فيها ومن خلالها كل شباب الأردن من أقصاه إلى أقصاه على خدمة الوطن والأمة ليبعد عنهم شبح التغريب عن ثقافتهم وحضارتهم، و هل اكتب لك كيف تمت محاربة هذا المنتدى.

والحديث يطول لو ذكرت لك بقية الدوائر والمؤسسات التي إنشاءها ورعاها الحسن بن طلال.

عن ماذا يا  صاحبي تريدني ان اكتب، هل اكتب عن أمير لا يعرف المستحيل؟عن أمير شريف عفيف يغار على أهله وبيته وعشيرته، عن أمير لا يخرج من منزله قبل ان تحمل زوجته المصحف فوق رأسه.

أم اكتب عن تفانيه في خدمة أبي الأردنيين جميعا جلالة المغفور له الملك حسين بن طلال رحمه الله وحرصه على تامين راحة وصحة جلالته وتجهيز ما يلزم من وثائق وأوراق ورسائل كان يطلبها جلالته رحمه الله.

و ان كل جهده ذاك وبحثه وتجواله وعملا ليلا ونهارا كان من اجل العرش وصاحب العرش ولا يزال.

وأكملت لصاحبي قائلا : يجب ان لا ننسى ان سمو الأمير الحسن ليس نبيا ... وبودي ان اسطر له قائلاً: كل عام وأنت بألف ألف خير أيها الأمير الإنسان أيها الكبير الكبير ... يا قائد الشباب وحكيم الشيوخ .. يا أيها المخلص الوفي للعرش ولصاحب العرش ولهذا الوطن الحبيب،  كنت وما زلت على الدوام. فلك منا كل المحبة والإجلال والاحترام والله يحفظك ويرعاك.

ابتسم صاحبي وتمتم بكلام لم اسمعه ونهض واقفا.

20/3/2000

اللجنة الملكية لشؤون القدس

اللجنة الملكية لشؤون القدس هي لجنة أردنية رسمية مقرها العاصمة عمان تأسست عام 1971 لتُعنى بأوضاع مدينة القدس ونشر الوعي بأهمية قضية القدس.

مهامنا

وضع الإطار العام لتوجهات اللجنة سياسياً وإعلامياً والمصادقة على الخطة العامة السنوية للجنة، واتخاذ القرارات الكفيلة بإنجاحها ومتابعة تنفيذها.