الى الحسن بن طلال أمير الحكمة والعقل في ذكرى ميلاده 20/3/2005

      بقلم : عبد الله كنعان

في عيد ميلادك، نحتفظ بملامح لحظاتنا المثقلة بالاصرار وخيوط التفاني تربطك بنا وتربطنا بك، لنكمل ردهة من العمر باقية. نستذكر سنين مضت بساعاتها وأيامها، نهارها وليلها، كانت مليئة بالأحداث والعمل الدؤوب. كنا معك دائماً نركض ونحن نتابع الأوراق والملفات والأشخاص والبرامج والمواعيد والجولات والمكالمات الهاتفية والمقابلات والزيارات، نركض لعلنا ننهي قبل غروب الشمس. ولكن هيهات … ثم نتابع الركض قبل ان ينتصف الليل، ثم نتوقف بعده بساعة أو ساعتين، لنجد أنفسنا وقد لفنا السكون من حولنا، لا أحد يتحرك، حتى الطير يكون قد اخلد للنوم. وما أن يبزغ الفجر نستيقظ لنلحق شروق الشمس، نحن معك نتبع خطواتك ونخطو خلفك، هكذا كنا نفرح ونسعد حينما نرى النتائج قد تحققت وأن ركضنا خلفك ومعك قد انتج شيئاً … لقد كنت يا سيدي دوماً تعلن العصيان على السكون، تحرك امواجنا الراكدة، تخلق لبحرنا امواجاً.

كنا نفرح عندما نراك فرحاً لانك أصلحت أو تلافيت خطأ كان قد وقع به مسؤول، ونحزن عندما نراك حزيناً لأن كلمتك او نصيحتك لم يأخذ بها فيقع الخطأ. لقد عودتنا رؤية ما لا يرى، ومتابعة ما يهمله الآخرون. فهناك مساحات لا يراها سوى من حباهم الله بعد النظر وعمق الفكر.

كنت تحمل الهم الوطني وتجهد نفسك من اجله، كانت أرادتك صلبه وقويه تماماً مثل ساعدك القوي، كانت لياقتك الفكرية تماماً مثل لياقتك الجسدية قوية ومتجددة ومتحركة، لا تمل ولا تستكين، تحاول دوماً إلغاء المستحيل من أدبيات قاموسك ، لتخنق فينا رائحة اليأس.

آه يا سيدي ما أروع تلك الأيام بعرقها وتعبها، بفرحها وحتى بحزنها …  كم تعلمنا منك وحفظناه عن ظهر قلب، علمتنا ان الإخلاص والوفاء للعرش، هو إخلاص للوطن ووفاء للأمه، وهو قبل كل شيء ، وقد جسدت ذلك قولاً وعملاً، فبنيت بذلك سيدي داخلنا وطناً عصياً على الانكسار ، عاصمته قلبك الكبير، الذى يصفح ويحب، دون تنازلات، وحدوده العمل للانسانية جمعاء……..

 لقد علمتنا كيف نفكر ونتمثل المبادىء السامية لعروبتنا وعقيدتنا، فننبذ الاقليمية والجهوية والطائفية والعرقية والعصبية الضيقة، بحثاً عن الانسان . ففي ميلادك سيدي نتذكر الانسان عندما يكون انساناً … فكم مسحت الحزن وخففته بزيارتك ومواساتك لمن فقد عزيز….وكم رحمت عزيز قوم ذل، حينما استجار بك….واعدت الحق لصاحبه، حينما لجأ اليك….. فكان اسمك يخيف الظالم ويفرح المظلوم……

كم صلينا بمعيتك في المسجد يوم الجمعة، في ظل النفحات الأيمانية العطرة، اجتماعات مباركة تغرس المحبة في النفوس وتقوى أواصر الأخوة والتلاحم بين المؤمنين. وكم باركنا بمعيتك لأخواننا المسيحيين في كنائسهم، تبارك لهم في صلواتهم وأعيادهم وتعزز نهجهم حرصاً على إدامة التواصل والمحبه والاخاء والتلاحم بين ابناء الوطن الواحد والحضارة الواحدة. كم دعوت للحوار بين الأديان والمذاهب كي لا يدخل الكره والتعصب الديني بين الشعوب. وها هم يتقاتلون على الهوية والدين والمذهب.

وكم حذرت في خطاباتك ورسائلك من بلقنة المنطقة وها هم يفعلون، وكم قلت لنخطط لأنفسنا قبل ان يخطط لنا وها هم يفعلون، وكم حذرت من أول مستوطنة أقامتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة عام 1967 ، وها هم يقيمون مئات المستوطنات.

كم ناديت بالانفتاح على العالم بروح العصر. وقدمت الاسلام بروعته وتوازنه. وجمعت العلماء من كل انحاء العالم لتؤسس قكراً متجدداً وانبعاثاً حضارياً يصحح صورة الاسلام في نظر الغرب. وكم ازعجت اراؤك اعداء الأمه والوطن، لانك كنت تكسب جولات في الحجة وبيان الرأى، وتسجل نقاطاً لصالح العرب والمسلمين. وكم غسلت دماغ الكثيرين ممن كانوا ينحازون ضد أمتنا وقضاياها،  فحيدت البعض منهم وكسبت البعض.

نتوق يا سيدي دوماً إلى من يقرضنا بضع ابتسامات نقرؤها فيك، ففي جولاتك وأحاديثك الدافئة رائحة مشبعة بنور الأمل والتفاؤل وكأنك تغسل أحزاننا بنور شمس الصيف وغزارة مطر الشتاء. وفي هذا اليوم سيدي نهديك إحساساً آخر نقلدك وساماً نعلقه على تاج حبنا ونطبع على قلبك الدافيء قبلة حارة .

في عيد ميلادك :

نذكر كل أيامك بحلوها ومرها، نذكر تساميك وتسامحك ووسع صدرك وصبرك أمام الاحداث، في عيد ميلادك، نسأل الله العلي القدير ان يمنحك الصحة والعافية ويسبغ عليك راحه الفكر وهدوء البال ويكلل حياة سموكم وأسرتكم الكريمة بالسعادة والهناء .

وكل عام وسموكم والعائلة الهاشمية بالف خير

20/3/2005م

ميلاد سمو الأمير الحسن بن طلال خواطر وتأملات 18/3/2004

عبد الله كنعان

في حياة الانسان أيام تقف شواخص في درب عمره، بعضها من صنع يديه وبعضها تصنعه، وأخرى تمر مرور الكرام، ايام تختلف في شكلها ولونها ومذاقها، قليل منها الزاهي البديع العذب، وقليل ايضاً ما هو عكس ذلك لحسن الحظ، اما الكثير الكثير فلا طعم له ولا لون  ولا رائحة، فهي كالماء السبيل نحتسيه ولا نشعر به الا عند الظمأ الشديد. وعلى الرغم من أننا لا نقيم طويلاً في هذه الحياة الدنيا، الاّ أننا نعد الأيام ونحسبها، فهي تعود كل عام تجددّ الذكرى وتنعش الذاكرة. ومن بينها جميعاً يتفرد يوم بعينه، يوم اطلالة كل انسان على دنياه، حيث هو مركز الحدث، وإن كان صانعيه هما والداه، بإرادة علوية، ويفرحان به أيمّا فرح، لأنه الهدّية السماوية.

كل الناس حريصون على جعل وجودهم شيئاً ذا معنى، يحددون أهدافاً ويسعون لتحقيقها. وإذا كان الفتى ذا همة عالية وأصل رفيع، فلا بد له من أن يشحذ ارادته ويقوي عزيمته، حتى يعادل طموحه حلمه ويماثل عقله فعله. فكيف إذا كان من دوحة سامقة الاغصان عميقة الجذور وارفة الظلال ؟ وكيف إذا كان حكيماً عاقلاً، تخرج بشهادة عليا من الجامعة ليحصل على شهادة أعلى في ادارة شؤون البلاد، منحه إيّاها شقيقه ومعلمه، حين اسند إليه ولاية العهد، فانطلق حاملاً مسؤوليته يزور المواقع ويعقد الاجتماعات في الصباح الباكر، قبل أن تحمى عين الشمس، يعمل على تثبيت دعائم النظام وسط بحر متلاطم الامواج، تعصف به الرياح والأزمات، والربّان ممسك بدفة القيادة يدرب شقيقة ويوجهه ويرشده وينبهه، حتى وصلت السفينة بحر الأمان. ثم وقف  على المنابر الدولية، كما وقف الشقيق المعلم من قبل، حتى وضعا الأردن على خريطة العالم. ولم ينس في خضم مسؤولياته ان يأخذ بيد ابنائه الطلبة المعوزين وغيرهم من المواطنين، وأن يرد الظلم عمن وقع عليه، يتفقد الرجال الكبار الذين وقفوا مع الجد المؤسس والملك الوالد، ومع أمتهم ووطنهم.

وكان طوال الوقت يرى ويسمع ويحس ويلمس، مما قد لا يروق ويعجب أو يثير ويغضب، فما يلبث ان يضحك ويسخر، أو يكظم ويتصبر. ومع كل ذلك، لم ينس في غمرة مسؤولياته الجسام أن يلتفت الى العلم والثقافة، فعمل على انشاء العديد من مراكز التميز، التي لا يزال يرأس العديد منها، في المجالات السياسية والفكرية والدينية والعلمية، كما انخرط في الكثير من المؤسسات المماثلة في أرجاء العالم.

ثم مد حبل الود والتواصل مع قادة الدول العربية والاسلامية، وأنشأ علاقات وثيقة مع الشخصيات المرموقة في الميادين المختلفة، في طول الوطن العربي وعرضه. وهكذا تمرس في السلطة، حيث ضرّسته الأيام وحنّكته التجارب.

وفجأة إذ جاء التغيير، ورأى القائد أن ينقل الراية من بعده لنجله، ويريح شقيقه من أعباء المسؤولية التي نهض بها زهاء ثلاثة عقود ونصف، ظنّ البعض أن الأمير الجليل قد يتمرد على قرار اتخذه القائد في لحظة مصيرية. بيد أنه خّيب ظنون هؤلاء، فتقبل الأمر طائعاً مختاراً، وأثبت من الولاء لعميد الأسرة الجديد ما كان عليه أيام العاهل الراحل، فالوفاء عند الهاشمي خلق نبيل والاخلاص لديه طبع أصيل.

وحين تسرب الشك لنفوس بعض المَصْلحَيين، فحسبوا أن انحسار السلطة عمن كانت بين يديه، تُوجبُ عليهم الإنفضاض عنه، والتخلي عن قربهم منه، تبخّر اكثرهم، ولم تبق سوى قلة قليلة على اخلاصها، ليقينها أن الولاء للقائد الجديد لا يتناقض مع الوفاء للرجل الكبير. فالولاء للعرش والوفاء للاسرة كل لا يتجزأ، مهما اختلفت مواقع الرجال. بل ولقد أوغل بعض ذوي المصالح في الضلال، وهم الذين لا ولاء عندهم الاّ لمصالحهم، فعمدوا الى وضع معاييرهم الخاصة، وافتوا بعدم أحقية فلان أو عدم أهلية علان، لشغل مراكز قيادية في الدولة، بحجة أنهم " محاسيب " الأمير الحكيم، فاستثنوا من مراكز النفوذ من لا يريدون حتى يستأثروا بها منفردين. أمّا الذين تعلموا في مدرسة الهاشميين فيدركون تماماً، كيف ولماذا يفعل اولئك ما يفعلون، لبئس ما يفعلون.

بقي أن نقول لمن يستغربون أو يستكثرون، بل وينكرون على سمو الأمير الحسن بن طلال اهتمامه بالعراق الشقيق، إننا لن نذكرهم بمملكة الهاشميين في العراق أو بالاتحاد الهاشمي بين بغداد وعمان أو حتى بمنطلقات الثورة العربية الكبرى، فقط نود أن ننعش ذاكرتهم بالفكر القومي والاسلامي والانساني الذي شكل رؤية الأمير ونظرته تجاه وطننا العربي الكبير وفي القلب منه أرض الرافدين، ونحيلهم لكتبه ومحاضراته وندواته وتصريحاته، على مدى العقود الماضية.

 

ونذكرهم أيضاً بما قاله سموه بأن حرصه على العراق لا ينبع من رغبة ذاتية أو مطمع شخصي، فلا التاج يُغريه ولا العرش يُغويه، وإنما المصلحة العليا للبلد الشقيق هي التي تقود خطاه. فإن اجمعت قوى الشعب العراقي بكافة أطيافه وطوائفه ومكوناته وألوانه، والتي  لسموه علاقة وثيقة بها كلها، والتقت على اسناد دور قيادي تصالحي لسموه، عند ذلك، فهل يتوانى عن أداء الواجب، خاصة في هذا المنعطف الخطير من تاريخ العراق الحديث؟

وفي الختام نقول في يوم ميلادك السعيد: ياسمو الأمير أطال الله بقاءك وأمد في عمرك وأنعم عليك بالصحة واسبغ عليك ثوب العافية ومتعك واسرتك الصغيرة بحياة ملؤها راحة الفكر وهدوء البال، ولأسرتك الكبيرة أمل ودعاء بحياة ملؤها العطاء والرخاء، إنه على كل شيء قدير وبالاجابة جدير.

 عبد الله كنعان

18/3/2004م

الأمير الإنسان … والمفكر … والحاكم ((حوار مع صديق بمناسبة عيد ميلاد سمو الأمير الحسن بن طلال)) 20/3/2003

عبدالله كنعان

جاءني صاحبي مبكراً ودون موعد، ليبادرني قائلاً: هل سمعت بقرار بوش إعلان حربه العدوانية على العراق؟

قلت: ما الجديد في الأمر؟ أمن أجل هذا أتيت مبكراً؟

قال: نعم ولا. نعم لأني أدرك أن لديك ما تقوله في هذا الأمر الخطير. ولا لأني لم أشأ ذلك فحسب بل أردت محاورتك في موضوع لقائنا السنوي.

قلت: فهمت قصدك ولكن ما دمت قد ذكرت عدوان أميركا على العراق، دعني أقول لك، لو وجد سمو الأمير الحسن بن طلال آن ذاك من يتبنى أفكاره وطروحاته ويعمل على تطبيقها .. لما وصل بنا الحال إلى ما نحن عليه الآن من التردي والهوان.

قال صاحبي: حال من تقصد؟.

قلــــت: حال العرب والمسلمين طبعاً.

قــــال: كيف؟.

 قلت: ما من شك أن لا الظروف ولا الوقت يسمحان بتناول ذلك بالشرح المفصل على أني سأحاول إختصار الموضوع ببضع جمل، واللبيب بالإشارة يفهم.

 

     لا بد أنك تعرف سمو الأمير الحسن هو الذي بدأ يؤسس للحوار بين الأديان، وللحوار بين المذاهب، وللحوار بين الثقافات. وهو من دعا إلى الحوار بين الناس والنظام السياسي، الحوار بين الحاكم وبين المحكوم، الحوار بين كل الفئات على إختلاف أرائهم ومذاهبهم ومعتقداتهم الفكرية والدينية، الحوار بين الدول والشعوب على أساس القيم التي تجمع ولا تفرق.. كان ينادي بالقانون الإنساني ليأخذ مكانه في العلاقات الدولية بغية ترسيخه نظاماً كونياً .. بدلاً من قانون القوة. فالأمير يريد أن يكون للتراث وللثقافة وللإنسان الإعتبار الأساسي في العلاقات بين الدول، ذلك أنه كان يدرك خطورة التعصب العرقي والديني والمذهبي والطائفي والحزبي سواء بين أبناء الشعب الواحد أو بين الشعوب المختلفة، ويدرك أهمية الحوار بينهم للتلاقي على القيم والقواعد الأخلاقية المشتركة.

قال: أكمل!.

قلت: أظن في ذلك كفاية، والشاطر يفهم.

قال: ولكني أراك مهموماً وقلقاً مثلي.

قلت: صحيح إنني قلق على العراق، لكن تأكد بأن العراق سيبقى العراق وشعبه سيبقى شعب العراق، فأنا أشعر بالإطمئنان وحتمية النصر في النهاية ستكون للعراق الشعب والتاريخ والحضاره، مع أن سمو الأمير حسن كان قد نبه مبكراً إلى خطر الاستعمار الجديد للمنطقة والذي قد يبدأ بالعراق وينتهي بالمنطقة بأكملها. ولكن مصيره الفشل بكل تأكيد فهذه الحقيقة ترقى إلى مستوى الحتميات الدينية والتاريخية. والتاريخ البشري خير شاهد على ذلك.

قال: إذن .. ما بالك قلق ..؟.

قلت: يقلقني حال القدس والأقصى والصخرة وكنيسة القيامة، يقلقني الإستيطان. فمع ذكر القدس هل تعلم يا صاحبي أن سمو الأمير كان ينادي بأن القدس يجب أن تكون أول بند في المفاوضات بين العرب وإسرائيل.. وهو أول من حذر من الإستيطان الإسرائيلي وإعتبره عقبة أمام أية محادثات سلام.

قال: لنعد إلى موضوعنا الذي أتيت من أجله.. فأنا أعرف بحكم إرتباطك الوجداني والقيمي ستعود بنا إلى التجوال في منظومة سجايا أميرنا الشخصية بأبعادها وتجلياتها الإنسانية والقيمية المختلفة التي تعرف بداية لكنها يقيناً قد لا تعرف نهاية، كما قلت أنت نفسك في مناسبات سابقة.

قلت: إذا كانت هذه قناعتك فما الذي تريدني أن أتحدث به أو أضيفه عن سمو الأمير؟.

 

وبتلقائية غير معهودة فيه أبداً أجابني قائـلاً: أريدك هذه المرة أن تضعنا في صورة أميرنا المفكر.. والحاكم.. أريدك أن تضعنا في صورة إستجابه الأمير للتحديات وأهمها تحدي السلطة بكل مغرياتها المادية والمعنوية .. أريدك أن تتجول بنا في تراث الأمير الفكري الوطني والقومي والإنساني ، أريدك .. أريدك ..

       وما أن صمت صاحبنا حتى تخيل لي بأنه جاء هذه المرة وفي ذهنه ونيته أن يكون قطباً للإرسال لا للإستقبال.. فلو لم أقاطعه لإستمر إلى ما لا نهاية في منظومة مطالبه ..

قلت في نفسي.. أجل كل هذا يريد أن يعرفه مني تحديداً، صمت طويلاً وأنا في حيرة من أمري ولكني بادرته قائلاً:

يا صاح هذه موضوعات فلسفية وفكرية وسلطوية، وصدقني إن الحديث حولها يحتاج إلى مجهود ذهني وفكري يتعدى إمكانياتي وقدراتي الذهنية حالياً  فالأمر لا يدور حول قضايا إنسانية وسياسية عشتها وشاهدتها بنفسي، إذ أن الحديث حولها سهل وممتع، لكنك تطلب الحديث حول جوهر الأمير الفلسفي والفكري والثقافي والروحي والإنساني.

قال: وكأنه واثق للغاية. أعتقد جازماً بأنك من القلة القليلة التي لم تسقط في شباك النفاق السلطوي، فأنت من القلة الأقدرين على كشف شخصية الأمير الفيلسوف والمفكر والمجاهد والإنسان، بسبب إرتباطكم اللصيق الذهني والسلوكي طيلة سنوات عملك في معية سموه. ثم ألم تقل ذات مره ((بأن خدمتك تجاوزت مع سموه مائة عام على إعتبار كل سنه خدمه مع سمو الأمير تعادل خمس سنوات في أي مكان آخر في الدولة)).

قلت: أشكرك على هذا الإطراء وأرجو أن لا نكون قلة كما تعتقد فالناس كلهم خير وبركة. 

      ((أجل .. لا أنكر أن صاحبنا قد وضعني بأسئلته في حيرة من أمري.. هل أرده خائباً أم أحيله إلى بعض رجال الإختصاص والعلم ممن كانوا يتحلقون حول سموه ولكنهم تبخروا في معظمهم ؟ أم أسعى لتأمين مقابلة له مع سموه؟ هذا ما جال في خاطري للحظات..)).

     ثم قلت والبشر بادٍ على محياي: يبدو إنك تحب الأمير أكثر مني لهذا سأجيبك على قدر فهمي وبإختصار!!.

 

ربما تعرف يا صاح أن الفلسفة هى الحكمة.. وأن الفيلسوف هو الحكيم .. الحكيم بالمعني الشمولي للمعرفة في مجاليها النظري والتطبيقي .. وأميرنا بهذا المعنى فيلسوف وحكيم .. فما من موضوع أو مجال من موضوعات ومجالات العلوم المجتمعية إلا وكانت له فيها آراؤه وطروحاته التي لم تبق ضمن حدود الوطن .. بل تعدتها إلى شتى أنحاء العالم. فها هى أفكاره وآراؤه في العلاقات الإنسانية بأبعادها الوطنية والقومية والدولية باتت معروفةً في أوساط المفكرين والسياسيين والباحثين في أكثر من مكانٍ في العالم. لهذا كان محط إهتمام المحافل الدولية سواء الفكرية أو المجتمعية أو السياسية أو الدينية.

 

فأميرنا واحد من أبرز مفكري تلاقي الحضارات والثقافات والأديان، وكان له الفضل في مأسستها في إطار فاعل إذ أنشأ المعهد الملكي للدراسات الدينية والمجمع الملكي لبحوث الحضاره الإسلامية، مؤسسة آل البيت، ومنتدى الفكر العربي، ومنتدى الشباب العربي، والجمعية العلمية الملكية وغيرها الكثير .. ودعوته إلى تأسيس برلمان ثقافي يمهد الطريق أمام التقارب الأممي بأبعاده المختلفة.

أما تجربة الأمير في الحكم فلا أظن أن أحداً في الداخل والخارج يجهلها، ولكن أبرز سمات فلسفة الأمير بخصوص السلطة هو إصراره على التمسك بمبدأ الحكم في خدمة الشعب والأمه والإنسانية وبخلاف ذلك تنتفي الغاية من الحكم. هذا المبدأ هو الذي مكنه من مقاومة إغراءات السلطة المادية والمعنوية، وأن يتقبل قرار شقيقة صاحب الجلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال بنقل السلطة من يد سموه إلى يد ابن أخيه جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين  حفظهما الله برحابه صدر وإخلاص وتفان غير معهود، وأن يبتعد عن الأضواء والصالونات السياسية بتهريجاتها وحكاياها السلطوية اللامتناهيه. وبحكم مكانة سمو الأمير الفكرية وخبرته وحنكته السياسية أدرك جيداً مقتضيات التغيير المحلية والإقليمية والدولية وتقبلها عن طيب خاطر وإصرار على مكافحة الأنا والإلتزام بمنهج سمو المبادئ والأوطـان على غيرها من مصالح شخصية وألقاب… ألخ.

 

 

قال صاحبي: أرجوك أن تستمر.فالحديث جميل وممتع.

قلت: لقد تجلى سمو الأمير في فلسفته كمفكر وحاكم بطريقة تبلغ حد الكمال الأخلاقي برده على مقدمة برنامج الفضائية العربية الجديدة جزيل خوري بخصوص هذه الصالونات السياسية الأردنية والأسباب الإقليمية والدولية والشخصية حول إبعـاده عن السلطة قائلاً: "ربما دفعت أثمان كثيرة.. وما من أحد معصوم من الخطـأ، وربما أخطائي كثيـرة. ولكـن الحمدلله أخطائي لم تشتمل لا على الخيانة ولا على السرقة ولا على الكذب .. فربما كنت غير مجتهد بالقدر الكافي في السياسات البيزنطية وفي أشكال "الحسد" التي مع الأسف تشكل مجتمع المنافقين. وفي هذا المجال أقول أن الصدق مع الذات أمر أساسي في مستقبل هذه المنطقة...".

قال صاحبي: عظيم ما تقول!.

قلت: حقاً إن سمو الأمير يفعل ما يعتقد أنه صحيحاً صواباً وحقاً لا يهمه المديح أو الإطراء، إذ يختتم حديثة في الفضائية العربية بقوله:

"إذا كان لديكم عقل فنلتقي فكرياً هذا ما أدعو إليه. أما أحببتموني أو كرهتموني فالأمر عائد لكم".  

ولهذا حرصت "فضائية الـعربية" أن تدشن برنامجهـا "العربي" بحوارٍ مع سمو الأمير الحسن. ولهذا أختير سمو الأمير الحسن ليكون مقرراً للمؤتمر العالمي للديانات والسلام، وهو العضو العربي والمسلم الوحيد في عدد من المنظمات الدولية التي تعنى ببعض النزاعات، ورئيساً لنادي روما وغيرها من المؤسسات االفكرية وحوار الأديان والحضارات.

وبعد هل تريدني أن أستمر أم أن للحديث صلة؟!.

 

 

 

قال: وختاماً ماذا يمكنك أن تقول بعد؟.

قلت: أشكرك على هذا اللقاء المتجدد.. أريد أن أكرر ما سبق وإن ذكرته في العا م الماضي بهذه المناسبة ..  من لم يكن وفياً لقديمة لن يكون وفياً لجديده. هذه هى رسالتي للأجيال.

 

وختاماً أقول لسمو الأمير الحسن بن طلال المفكر والإنسان والمجاهد كل عام وأنتم بألف خير وحمداً لله على سلامتكم. 

20/3/2003

حوار مع صديق بمناسبة عيد ميلاد سمو الأمير - الحسن بن طلال كما عرفته (2) 20/3/2002

عبد الله كنعان

أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

سألني صاحبي     

هل لك ان تحدثنا عن سمو الأمير بهذه المناسب

قلت              

قلت لك في العام الماضي وقبله ان صفحات جريدتكم لا تكفي لو ارادت الكتابة عنه.

قال               

لم اقل لك تكتب بل تحدث.

قلت              

ان مئة شريط وشريط لا تكفي للحديث عن سموه.

قال               

إذن نسألك بعض الأسئلة فتجيب.

قلت              

هذا أفضل اقتراح، ولكن سأجيب بما اعرف وبما يحق لي الاجابة عليه، فهنالك أمور لا يجوز لمن عمل أو يعمل لدى الأمير ان يبوح بها لانها ملك للأمير وحده.

قال               

هذا حق: كيف حال سمو الأمير.

قلت              

بحمد الله بخير.

قال               

ما قصدت ان اسمع منك جواباً مقتضباً كهذا، بل أردت تفصيلا مثل هل هو سعيد؟! هل هو حزين؟! هل هو متألم؟!

قلت              

أعتقد ان كلها تجتمع عند سموه .. فهو سعيد وحزين ومتألم في آن معاً.

قال               

كيف تفسير لنا هذا؟

قلت  

مع ان السعادة نسبية إلا ان هناك قواسم مشتركة لدى الناس جميعاً في كثير من الأحيان فالإنسان يشعر بالسعادة إذا كانت صحته والعائلة بخير وعافية،ليس فيها مريض لا يرجى شفاءه،او عليل بحاجة دائما للرعاية والعلاج، أو فقير محتاج لياكل قوت يومه، أو شرير يسبب الإزعاج والمشاكل والسمعة السيئة لأسرته وأهله.

أما حزين... مع انني لا أملك الحق بالإجابة عنه إلا أنني سأجتهد، فاعتقد ان الحزن قد دخل إلى نفس سموه أكثر من مرة،كان آخرها حزنه الكبير يوم وفاة شقيقه الأكبر ورفيق دربه وعمره، وأستاذه منذ الصغر، جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين طيب الله ثراه.

و قبل حزنه الاكبر كان حزينا لما وصلت اليه احوال امتنا العربية الإسلامية وبالأخص القضية الفلسطينية، واعتقد ان هذا لا يحتاج إلى تفصيل أكثر، فسموه دائما يقول ان 80% من لاجئي العالم هم من المسلمين، وتعلم والناس كلهم يعلمون ان سموه كان يواصل اليل بالنهار طيلة ثلاث وثلاثين عاماً وهو ولياً للعهد، ساعياً ومجاهداً من أجل ان يحقق الأردن الاكتفاء الذاتي من الموارد، ويسدد المديونية، ويقضي على البطالة والفقر .... الخ، وكان يتمنى ان يصبح الأردن سنغافورة العرب.

قال               

ولماذا لم يتحقق ما كان يتمناه؟

قلت              

هذا سؤال يساله واحد مثلك وأنت سياسي مثقف.

قال               

وما الغريب في الأمر!

قلت              

تصوره انسان انه مسؤول ويريد ان ينجح أولاً، و ليساعد شقيقه الذي أولاه ثقته ثانياً، وليؤكد عمق رسالة الآباء والأجداد ليخدم الناس... كل الناس في الأردن الذين منحو العرش الهاشمي ثقتهم ثالثاً، ثم يجد انه كلما بنى وأسس جاءت قوى خفية لتهدم ما بناه وأرساه، وكأنها لم تكن وقد ذهبت مع الريح...، هل نسيت الكوارث التي حلت بامتنا العربية والتي أثرت على كل ما كان يخطط له سمو الأمير، وبما ان الشعوب الان مصابة بمرض النسيان وأخشى أن تفقد ذاكرتها، فدعني يا أخي أذكرك بالكوارث الهامة التي اثرت على حلم سموه وحلم كل أردني وعربي أيضاً منذ تسلم ولاية العهد عام 1965م، وهي: "حرب 1967م، واحتلال الضفة الغربية والأراضي العربية في لبنان والجولان ومصر من قبل اسرئيل، وخرب عام 1973م، والحرب الأهلية اللبنانية وبعدها الحرب الإيرانية-العراقية، ومن ثم حرب الخليج، فاي دولة في العالم ممهما كانت إمكانيتها وطاقتها لا تستطيع الصمود امام هذه الكوارث وما  جرته على العرب بشكل  عام وعلى الأردن خاص".

قال               

لا تؤاخذنا، فهذا لم تخطر على البال.

قلت              

يا صاحبي، انت تسالني عن أمير غير عادي، أمير كان حلمه كبيراً، وحلمه ثقيلاً، والإمكانيات ضئيلة، والطريق غير معبدة، فهو مسؤول مع قمة الهرم.

قال صاحبي    

ما كل ما يتمناه المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن قل لنا كيف هو متألم؟ وما الذي يحز في نفس سموه؟

قلت              

سأجيبك على هذا السؤال في نهاية الحديث.

قال               

المشروع النهضوي الحضاري.. لم تحدثنا عنه.

قلت              

إن الحديث عنه طويل، ولكن دعني أوضح لك أولاً بأن رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني "وهي  رسالة ذكية ورائعة" إلى سمو الأمير الحسن بن طلال حفظهم الله، ورسالة سموه الجوابية حول هذا الموضوع، كان لها اثر كبير في نفوس كل المحبين والمخلصين والأوفياء نظراً لما تضمنته الرسالتين من معان وعبارات جميلة، تؤكد للقاصي والداني عمق المحبة والتقدير والاحترام الذي يكنه جلالة الملك إلى عمه سمو الأمير، واستعداد سموه لخدمة جلالته على الدوام، والدعم اللامحدود من جلالته إلى سموه،  لاستئناف هذا المشروع ولمن يرغب في الاطلاع عليه، فمحاضر سمو الأمير حوله كانت في الجامعة الأردنية يوم 14 كانون الثاني 2002 م، كما انني كتبت حول المحاضرة مقالاً نشر في صحيفة الأسواق الصادرة يوم 27/1/2002 م، تحت عنوان "الحسن بن طلال والمشروع النهضوي الحضاري .. دعوة للإبداع وليس لاجترار"، ففي تللك المحاضرة ألقى سمو الأمير الكرة في ملعب رجال الفكر والعقيدة، والثقافة والأدب، وأساتذة الجامعات، ولكن يؤسفني أن أقول لك بأننا لم نسمع من احد منهم ولو كلمة حتى الآن، بينما كانوا يملؤون صفحات الجرائد وهم يعلقون على كل كلمة قالها.

قال               

هل لك ان تحدثنا عن المهام التي يتولاها سموه الآن.

قلت              

بالإضافة إلى مسؤولياته المباشرة عن المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا والدوائر التابعة له، واللجنة الملكية لشؤون القدس، ومنتدى الفكر العربي، والمعهد الدبلوماسي، والمعهد الملكي للدراسات الدينية، والجمعية العلمية الملكية، والأكاديمية الإسلامية للعلوم، هنالك مهمات ومسؤوليات أخرى خارج الأردن، فهو عضو في المجموعة الاستشارية غير الرسمية التابعة للمفوضية العليا للاجئين، وعضو مؤسس ونائب الرئيس في مؤسسة البحوث والحوار بين الأديان والثقافات التي مقرها جينف في سويسرا،كما أنه رئيس المؤتمر العالمي حول الدين والسلام،كذلك سموه رئيس لنادي روما، ورئيس اللجنة الاستشارية الخاصة بالسياسات في المنظمة العالمية للملكية الفكرية، وعضو للهيئة الدولية لمجلس العلاقات الخارجية، وعضو فخري في اللجنة العالمية للثقافة والتنمية التابعة لليونسكو، وعضو اللجنة الاستشارية الدولية للحوار بين الاديان التابعة لمنظمة اليونسكو.

قال               

يكفي أعانه الله.

قلت              

لهذا تجده كثيراً من الأوقات خارج البلاد.

قال               

يقولون ان سمو الأمير لديه أعمال تجارية، ومساهم كبير في بنك الإسكان.

قلت  

أرجو إن تصغي إلي جيداً، ولن أطيل لك الشرح في هذا المجال ويكفي أن أختصره على النحو التالي: منذ أن تشرفت بالعمل بمعية سموه، وعلى مدى السنين الطويلة، كان سمو الأمير يرفض مقابلة أي من أصحاب الشركات الكبرى، أو رجال أعمال من التجار، سواء في الداخل أو الخارج إذا كان موضوع المقابلة يتعلق بصفقات تجارية معينة، مهما كانت نوعها، إذ كان يردد حينها قولاً مأثوراً "الإمارة والتجارة لا يجتمعان".

أما حكاية بنك الإسكان فكاي مشروع من مشاريع التي تهم الأردن، اهتم سمو الأمير بهذا المشروع، وكان مديره العام ومجلس إدارة هذا البنك يطالبون دعم سموه ونصائحه لكي ينهض هذا البنك من أجل تحقيق الأهداف التي أنشئ من اجلها، وكدعم معنوي، فقد فتح لأولاده وكانوا أطفالاً حسابات توفير لم تتجاوز بعض عشرات من الدنانير لكل دفتر توفير، وكشوفات البنك معلنة وواضحة مثل الشمس، هذه كل الحكاية. ثم لو كان تاجراً أو مساهماً كبيراً في بنك الإسكان أو غيره، لما كان مضطرا لطلب المساعدة من بعض الأصدقاء ليتمكن من تغطية نفقات مكتبه الذي كان يضطلع بمهام كبيرة تزيد من نسبة المخصصات التي ترصدها الموازنة له.

قال               

مبتسما... قل لنا ما الذي يغضب سمو الأمير؟ أم انه دائما غاضب!

قلت              

فهمت ما ترمي من سؤالك وابتسامتك، فالناس يشاهدون سمو الأمير على الشاشة أو الصحافة وهو جاد كثيراً، أو مقطب الحاجبين، فإذا عرفت شخصية سموه تستطيع أن تعرف الإجابة، فسموه بالعمل لا يعرف اللهو واللف والدوران، والمماطلة والتقاعس، أو تأجيل عمل اليوم إلى الغد، أو عمل الصباح إلى المساء، أو عمل المساء إلى اليوم التالي، فهو يعتبر سرعة انجاز العمل والإخلاص والقيام بالواجب عنصر هام من عناصر بناء الوطن، وصفات يجب توافرها بالمسؤول، لذلك تراه جاداً ومنشغل الفكر، إلى حين انجاز العمل، وتراه غاضبا، إذا لمس تقاعسا أو إهمالاً. أو الشعور بالمسؤولية من الموظف أو المؤسسة أياً كان مركزه  أو صفته، فليس لديك عند الحسن بن طلال أي عذر في اهمال اي عمل أو تأخير في انجازه.    

قال               

سمعت أحدهم يقول أخطئ مع الحسين ودير بالك تخطئ مع الحسن.

قلت              

من تجريبتي .... هذا صحيح، ذلك يعتمد على نوع الخطأ، فبقدر ما يغضب سموه بسرعة ... بقدر ما يهدا بسرعة، فإذا ما شعر انه قساة عليك وأغلظ في كلامه معك يحاولان يسترضيك بطريقة وأخرى ويعفو عنك.

قال صاحبي    

يقال بانه طيب القلب.

قلت              

صدقت، صدقني ان قلت لك بأن قلبه مثل  قلب الطفل طيبة وحناناً، وإنسانية، ومشاعر وعطف، لكنه مثل قلب لأسد شجاعة وإقداماً وشهامة ومروءة. وصدره فقد وسع الدنيا بسمائها وأرضها وصلب عند الشدائد مثل الصخر.

قال               

صحيح، وأكبر تجربة على ذلك يوم تلقى رسالة جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال قبل وفاته.

قلت              

ذكرتني الآن لأجيبك لماذا هو متألم، إلى جانب الكبير كما قلت لك، وهو اعتقادي أن الوقت لم يسعفه ليتمكن من الدفاع عن نفسه، إذا كان قضاء الله وقدره أسبق لينتقل صاحب الرسالة المغفور له بإذن الله إلى الرفيق الأعلى.

قال               

هل تريد كلمة أخيرة تقولها بهذا المناسبة.

قلت              

لي كلمة أخيرة في حوارنا اليوم وهي دعائي إلى الله العلي القدير ان يديم الصحة والعافية على جلالة الملك عبدالله الثاني سمو الأمير الحسن بن طلال، ويحفظهم من كل سوء ومكروه.

 

و كل عام وانتم بخير

20/3/2002

الحسن بن طلال كما عرفته - " حوار مع صديق بمناسبة عيد ميلاد سمو الأمير " 18/3/2001

عبد الله كنعان

أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

قال صاحبي :

هل تذكر في العام الماضي وبمناسبة عيد ميلاد الأمير الحسن بن طلال، عندما طلبت منك أن تقول شيئاً فاعتذرت لي رغم إلحاحي عليك، حتى أنك كتبت معتذراً على صفحات الجرائد مقالك المعروف " معذرة سمو الأمير ".

قلت :

نعم أذكر ولا زلت عند رأي، لم يتغير شيء وكما قلت لك في العام الماضي أن كل صفحات جريدتكم، لا تكفى أن أردت الكتابة بهذه المناسبة.

قال صاحبي :

إذن لنتفق .. فأنا ما زلت مصراً على أن تكتب ولو كلمة أو كلمتين، جملة أو جملتين.

قلت :

كيف يكون هذا.

قال صاحبي :

أريد منك فقط أن تقول لي، بسطرين الحسن بن طلال كما عرفته ؟!

قلت :

هل تعلم أن هذا العنوان مستعار من كتاب " الملك عبد الله كما عرفته " لقريبي الاستاذ المرحوم تيسير ظبيان.

قال صاحبي :

كيف هو قريبك.

قلت :

مع أن هذا خارج الحديث لكنني سأجيبك عليه : تيسير ظبيان هو من عائلة الكيلاني وهو حفيد الشيخ الجليل شريف ظبيان الكيلاني ووالدة والدي اي جدتي هي حفيدة الشيخ نفسه.

قال صاحبي :

الآن عرفت علاقتك بآل الكيلاني التي كانت دائماً موضع تساؤلي، ولنعد الى حديثنا وأقول الآن تذكرني بكتاب تيسير ظبيان عن الملك المؤسس، فقد نسيته فعلا لأنني لم أطالعه بل سمعت عنه.

قلت :

اذن ما تريده في سطرين لا يمكن أن يكون كذلك.

قال صاحبي :

لربما كنت تخشى … وصمت.

قلت :

أخشى ماذا يا صاح…؟ماذا تعنى

قال :

أن تكتب عن سمو الأمير .

قلت :

أريدك أن تفهم شيئا هاما ألا وهو :

أولاً :

أن من لا ولاء ووفاء لقديمه لا ولاء ولا وفاء لجديده.

ثانياً :

أن محبتنا وإخلاصنا للهاشميين جميعهم على اختلاف مواقعهم ومراتبهم وجلاله الملك على رأس الجميع.

ثالثاً :

كثيرون يحاولون التشكيك والتفريق بين أفراد العائلة المالكة الهاشمية، وأحب أن أكد لك أنني أعرف تمام المعرفة صدق محبة الأمير حسن لأبن أخيه جلاله الملك عبد الله الثاني   حفظهم الله.

وأعرف تماما محبه واحترام وتقدير جلالته إلى عمه سمو الأمير، فالدم لا يصير ماءً على الإطلاق. فما تسمعه من   أقاويل وإشاعات يقصد منها بعد الأخ عن أخيه أو العم عن   ابن أخيه أو وجود اى خلاف بينهم هي من خيال المروجين   والذين لا شغل لهم أو لمن يريدون تعكير الجو..فالكبار لا يلتفتون إليها على الإطلاق.

أريدك أن تفهم شيئا هاما ألا وهو :

أن من لا ولاء ووفاء لقديمه لا ولاء ولا وفاء لجديده.

أن محبتنا وإخلاصنا للهاشميين جميعهم على اختلاف مواقعهم ومراتبهم وجلاله الملك على رأس الجميع.

كثيرون يحاولون التشكيك والتفريق بين أفراد العائلة المالكة الهاشمية، وأحب أن أكد لك أنني أعرف تمام المعرفة صدق محبة الأمير حسن لأبن أخيه جلاله الملك عبد الله الثاني   حفظهم الله.

وأعرف تماما محبه واحترام وتقدير جلالته إلى عمه سمو الأمير، فالدم لا يصير ماءً على الإطلاق. فما تسمعه من   أقاويل وإشاعات يقصد منها بعد الأخ عن أخيه أو العم عن   ابن أخيه أو وجود اى خلاف بينهم هي من خيال المروجين   والذين لا شغل لهم أو لمن يريدون تعكير الجو..فالكبار لا يلتفتون إليها على الإطلاق.

فولاء الأمير الحسن للعرش والوطن معروف وساطع   كالشمس لا يحتاج إلى برهان، والجميع يعرف أنه لو أراد   غير ذلك حينما كانت السلطة بيديه لفعل. لكنك شاهدت وشاهد العالم أجمع كيف تصرف حينما حصل التغيير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى حسب ما أعتقد وأعرف عن سمو الأمير بأن خبراته ومعرفته في خدمة العرش والوطن إذا طلب منه ذلك، وبغير هذا فهو لا يسعى ولا يعمل ولا يطمح إلى ذلك فلديه الكثير الكثير مما ينشغل فيه ويعمل له، فهو على المستوى الدولي معروف تمام المعرفة في مختلف الأوساط الفكرية والعلمية والثقافية والسياسية، ولديه من الدعوات لحضور المؤتمرات والندوات وغيرها من الإجتماعات ما لا يتسع له وقته، كما أن إنتخابه رئيسا لنادى روما على المستوى الدولي سوف يشغله في كثير من الأوقات.

قال صاحبي :

مقاطعا، أرجوك أن تعطيني فكرة عن رئاسة سمو الأمير   لنادي روما، فقد سمعنا عنها لكن أراهنك أن أحدا لا يعرف شيئا، وليست طرفة إذا قلت لك أن أحدهم قال لنا في جلسة   كنا فيها عندما خرجت الصحف بإعلان انتخاب سمو الأمير الحسن رئيسا لنادى روما .

قلت :

أنا معك أن من يعرف عن نادى روما لا يتجاوز عدد أصابع اليد إلا من كان مختصا ومعنياً بذلك.

ولكن ما الطرفة التي ذكرت؟

قال :

علق أحدهم قائلاً : شو رايح يعمل سمو الأمير في روما لرئاسة ناد رياضي والله سيأخذ بطولة العالم. وآخر قال : أنا أعرف هواية سمو الأمير القديمة وحبه للعبة كرة القدم ونادى روما كما تعرفون مشهور بهذه اللعبة …

قلت :

سأوجز لك تعريف نادي روما لأن الحديث عنه طويل، فهو منظمة غير ربحية ومكتب الأمين العام يقع حاليا في مدينة هامبورغ في ألمانيا وكانت قبل ذلك في روما وسمي باسم نادي روما لأن تأسيسه كان في روما والاستراتيجية العامة لنادي روما تتوخى تشييد صرح فلسفة خاصة به، بصورة تدريجية، تتمحور حول عدد معين من المعتقدات المتينة الخاصة في  بحث المشكلات الخطرة التي عجزت الحكومات عن حلها والسعي لإيجاد حلول لها ومتابعة الأفكار حولها،ويعقد النادي لقاءه كل عام في بلد مختلف، ويحاول استقطاب أناس جدد في مجالات اختصاص مكمله لبعضها فهو يضم الآن حوالي مئة مشارك من52 بلدا يحملون لقب (أعضاء نادى روما)،   فالنادي ينظر إلى نفسه باعتباره (مجموعة من مواطني العالم لديهم اهتمام مشترك في مستقبل الانسانية ويقومون بدور إيجابي في تنشيط النقاش العام ورعاية البحوث والتحريات والتحليلات للقضايا الإشكالية وتوجيه انتباه صانعي القرار إليها). فمهمته الأساسية يمكن إيجازها هي القيام بدور عامل مساعد Catalyst يدفع إلي التغير على نطاق عالمي وبشكل غير رسمي ويسهم في زيادة التفاهم.

ولقد اثبت النادي كفاءة جيدة في القيام بدوره سابقا وبانتخاب سمو الأمير الحسن رئيسا له سوف يزداد نشاطه وكفاءته،وهذه الثقة الدولية بالحسن بن طلال ما كانت لولا تمتعه بالسمعة العالمية ومعرفة المفكرين في كل دول العالم بمدى ما يتمتع   به من علم ومعرفة وثقافة واسعة.

((هنا توقفت))

قال صاحبي :

لقد أدخلتك في حديث خارج عن الموضوع،فأنا أسف لذلك. فهل نعود إلي موضوعنا لنتحدث عن الحسن بن طلال إذن بعدما ذكرت.

قلت :

يا صاح .أريدك أن تعرف أن الحديث عن الحسن بن طلال  ليس المقصود بذاتـه على الإطلاق، ولن أقول لك أنني أخشى أن يعتبرني الآخرون أنني أقصد أن أمتدح الحسن بن طلال أو أجامله ..فمن يعرفني جيدا يعلم بأنني لست والحمد لله من المدّاحين ولا أقول الا ما أعتقد أنه الصح أو الحق أو ما يجب أن يقال كما أنني لست من الساعين لكسب المال   بواسطة التصفيق و النفاق أو قول المدح أو الذم بمناسبة أو بدون مناسبة وإلا ما رأيتني مديوناً على الرغم من عملي وخدمتي الطويلة، ثم أن الحسن بن طلال لا يحتاج الى من يمدحه بعد أن وصل الى ما وصل إليه من مكانه علي الصعيدين العربي و الدولي.

قلت :

لقد أنسيتني كثيراً مما كنت سأقوله، لكني أعود لأذكرك بأن الحديث عن الحسن بن طلال هو حديث عن الأردن وتاريخه خلال حقبة من الزمن تتجاوز ثلث قرن في عدد السنوات وتتجاوز القرن في الانجاز والعمل.

قال :

كيف تفسر لي ذلك.

قلت :

لقد كان يوم العمل عند الحسن بن طلال والعاملين معه بثلاثة أيام اذا ما قورن العمل مع دوائر ومؤسسات أخرى في   الدولة، وقدر أنت اذن السنة بثلاثة وهكذا يكون ناتج العمل أكثر من قرن.

قال :

لم أفهم هذه النقطة كثيراً.

قلت :

لم يكن ليضيع الحسن بن طلال يومه باللهو والمرح مثل كثيرين من أصحاب السلطة والنفوذ، فقد كان مهموماً بقضايا الأردن ونهضته ورفعة شأنه ليساعد شقيقه المغفور له باذن الله جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله في حفظ الأردن وسلامته واستقراره، كان دائم البحث عن موارد مالية لتسعف الأردن وتنقذه، كان دائم التجوال ساعياً للحصول على معونات اقتصادية وعلمية من هنا وهناك، كان يحمل الهم الوطني وعلاقات الأردن مع الجوار وخلف الجوار، كما كان يحمل   الهم العربي والاسلامي وعلاقاتهما مع بقية دول العالم، لم   يكن يعمل فقط على نطاق ضيق، بل كانت نظرته شمولية دائماً، كان يحب أن يجعل الأردن جزءاً لا يتجزأ  من أمته العربية والاسلامية، ومن لا يصدق .. فالوثائق والتقارير والمراسلات ومحاضر اللقاءات والاجتماعات كلها موجودة وتشهد على ما أقول.

قال صاح :

ماذا تعني أنه لم يضيع وقته باللهو والمرح ؟

قلت :

سأجيبك عن هذا باختصار وأنت عليك أن تفهم، لقد كان   سموه ملتزماً مع عائلته وأسرته ويشغل كل وقته في العمل وهنالك طرائف تحكى على العاملين معه كثيرة في هذا المجال …

قال :

أرجوك واحدة منها .

قلت :

ليس هذا موقعها .. لكنه ألح وأصر وألح .

قلت :

قيل أن من يعمل مع الحسن بن طلال ينسى أنه متزوج وإذا حضر للمنزل يطلب الأولاد من أمهم أن تعرفهم على الضيف القادم آخر الليل والمغادر قبل شروق الشمس  وهنالك قول لرئيس وزراء سابق، فقد سمعت عنه أنه قال : (( كل يلي بيعملوا مع سيدي حسن إلى الجنة )) كناية عن العمل المتواصل الذي يبذله سموه ليل نهار وعن الجهد الكبير الذي يقوم به هؤلاء، ويقال أن من يسافر مع سموه في رحلة خارج البلاد   لا يعرف إلا الفندق الذي ينزل   فيه ومكان الاجتماعات وقد يشاهد من الطائرة بعض المباني والشوارع وأرض المطار …؟

كما يقال أن العاملين معه يهلوسون في نومهم بقولهم نعم سيدي هى الخطة جاهزة ….. والتقرير بعد قليل …

قلت لصاحبي :

على ذكر الخطة، أذكر أن سمو الأمير منذ أن تسلم ولاية   العهد في الستينات بدا يجتمع مع المسؤولين لإعداد الخطط الخمسية والثلاثية ويقال أن المرحوم وصفي التل في معرض حديثة مع سمو الأمير حول دوام بعض المسؤولين وتأخرهم عن الحضور اذ طلب سموه بدء الاجتماعات في الساعة السابعة أو السادسة صباحاً قال وصفي يا سمو الأمير الناس ما   بتعرف انو عندهم أمير حراث مثلك طول بالك شوية       عليهم … أرجوك .

هنا وقفت آخذ رشفة ماء وتنهدت بعمق وشعر صاحبي وكأني أشعر بضيق وألم …

قال :

ما بالك …

قلت :

ذكرتني بوصفي التل هذا الذي خسره الأردن ولن يعوض،

قال :

ليس حديثنا.

قلت :

انها فرصة لأقول لك عن بعض مشاعري نحو هذا الرجل   الذي افتقدناه. كنت مثل كثيرين غيري أعتبره خائناً وغير وطني للأردن ولا للعرب بتأثير الدعاية المغرضة والغوغائية، وبعد أن وعيت على الدنيا والسياسة وبعد أن   اطلعت على الأوراق المستورة وغيرها، عرفت كم كان هذا الوصفي وطنياً مخلصاً لفلسطين أولاً وللأردن وللعرب ثانياً، نعم خسرناه رحمة الله عليه.

قال صاح :

أكمل عن سمو الأمير

قلت :

إلا يكفى ما قلته عن الحسن بن طلال

قال :

انك لم تتحدث عنه شيئاً .

قلت :

اسمع سوف اختصر لك بعض ما أعرفه من معلومات ولا تطالبني بأكثر.

قال :

موافق

قلت :

لا ، بل بعض الأسطر لتأخذ فكرة عن " الحسن بن طلال كما عرفته " فأبدى صاحبي سروره وجلس منتظراً وبلهفة وشوق يريد أن يسمع ما أقول :

قلت :

أنت تعلم بأنني كنت نائباً لمدير مكتب سموه حفظه الله لسنين طويلة، ويقع تحت مسؤوليتي المباشرة كثيراً من المهام التي لا مجال لحصرها الآن ومثلي بعض الزملاء والزميلات كل منا يحمل مهام لها أول وليس لها آخر، متعددة ومختلفة، وهذا أتاح لي الاطلاع على معظم الأعمال والأوراق والوثائق والرسائل الخاصة بسموه، لذلك يقال بأن العمل مع الحسن بن طلال هو مدرسة وجامعة، يتخرج الواحد منها بأعلى الكفاءات   والقدرات والخبرات.

قال صاح :

لهذا يعتبر كثيرون أن من يتخرج من مدرسة الحسن بن طلال بعد خدمة طويلة في مدرسة سموه، يصبح مؤهلاً لتسلم أهم وأعلى المناصب في الدولة.

قلت :

أنت تقول ذلك … أنا لم أقل.

قال :

نعود الى حديثنا، أرجوك أكمل.

قلت :

كما وعدتك بضع أسطر فقط وأكتفي لأنني اذكرك بما قلته لك في البداية أن كل صفحات جريدتكم لا تكفي للحديث عن   الحسن بن طلال، لهذا سأورد لك بعض الأرقام والمعلومات وأترك لك وللآخرين تقدير حجم العمل الذي كان يقوم به الحسن بن طلال وكذلك مدى ما كان يلم به ويعرفه سموه، والذي كان كله موضوعاً لخدمة الأردن وأهله في بواديه وقراه ومدنه وخدمة أمته العربية والاسلامية وخدمة القضية الفلسطينية. وقبل كل ذلك كان يخدم العرش وصاحب العرش بكل الاخلاص والوفاء الذي عرف عنه وأثبته التاريخ.

ففي احصائية غير مكتملة بلغ مجموع محاضرات وخطابات وكلمات ومقابلات سمو الأمير في مختلف المناسبات منذ عام 1976م وحتى عام 2000م والموجودة في أرشيف الاذاعة والتلفزيون ومكتب سموه حوالي ألف وثلاثمائة واثنان وعشرون ما بين محاضرة وكلمة وخطاب.

ان اي محلل أو حتى مطلع فقط على هذا الرقم يدرك من هو الحسن بن طلال وما هو حجمه وماذا كان دوره على النطاق المحلي والاقليمي والدولي، هذا من جانب أما الجانب الآخر   فلم يحصى بعد عدد الزيارات التي قام بها سمو الأمير الى مختلف بقاع العالم وماذا كان يفعل في كل زيارة وماذا حققت كل زيارة للأردن، فالأردن كما تعلم بلد صغير في امكانياته بل تكاد أن تقول ليس لديه أية موارد يمكن الاعتماد عليها سوى الطاقة البشرية وبعض الموارد البسيطة الأخرى ومع ذلك فقد استطاع بفضل المسيرة السابقة التي قادها جلالة المغفور له الملك الحسين رحمه الله وسمو الأمير الحسن أن يصل بأمن وسلام الى أن تسلم القيادة جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله ليكمل المسيرة ويستجمع قوة الأردن من جديد ويعيدها   الى الساحة العربية والدولية لتوظيفها   لخدمة الأردن والأردنيين وخدمة أمتنا العربية والاسلامية تماماً كما سعى   لها الآباء والأجداد.

وكذلك لم أذكر لك كم عدد من واساهم سمو الأمير ودخل منازل عزائهم أو أرسل مندوباً عنه وسأذكرها في حديث آخر ان   شاء الله، وكذلك كم عدد من استضافهم ودعاهم سمو الأمير للحوار وناقش معهم هموم الوطن وأبنائه، وكذلك كم عدد الذين طلبوا مقابلته من شيوخ ووجهاء وعسكريين وأساتذة جامعات ووزراء وأعيان ونواب ومواطنين عاديين.

قال صاح :

أرجوك استرسل هنا.

قلت :

أنا أفهم قصدك سأقول لك باختصار، هنالك المئات ممن كانوا يطلبون مقابلة سمو الأمير وكان لكل منهم طلباً خاصاً به، وأكيد تريد أن تسألني أين هم الآن …

قال صاح :

نعم.

قلت

الأفضل أن لا نتكلم ودعني أقول لسمو الأمير بمناسبة عيد ميلاد سموك " كلل الله حياتكم بالسعادة والهناء وراحة الفكر وهدوء البال وحماكم من الدساسين والمنافقين وحفظكم من كل سوء ومكروه ".

وكل عام وأنتم بخير

18/3/2001

في عيد ميلاد سمو الأمير الحسن 20/3/2000

بقلم عبدالله كنعان

أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

معذرة سمو الأمير

قال لي صاحبي: نعلم انك عملت مع سمو الأمير الحسن بن طلال ربع قرن وكنت من أقدم العاملين في مكتبه،  وكنت قريبا منه في معظم الأحيان كل يوم وكل ساعة منذ الصباح حتى المساء.

وشاهدته في أيام الفرحة مثلما شاهدته في أيام حزنه كما شاهدته وهو في اشد حالات الغضب مثلما شاهدته في حالات سروره.

و عليه نريدك ان تكتب بمناسبة عيد ميلاد سموه واخذ يطلق علي من الصفات بعضها أصاب فيها وبعضها بالغ في وصفها وبعضها تمنيت ان تكون صحيحة كل ذلك ليغريني بالكتابة.

قلت لصاحبي : أرجو ان تعذرني.... ولكنه ألح في طلب وأنا اعتذر له وبعد طول حوار:

قلت له اعتذر لأنني ان أردت الكتابة باختصار فاحتاج إلى صفحات...

وان كتبت بالتفصيل،  احتاج إلى مجلدات ، فماذا تريدني ان اكتب ....؟ هل اكتب لك عن أمير ليس كمثل الأمراء..

أمير يستيقظ منذ الفجر،  يمارس الرياضة في الصباح،  ويأخذ أولاده إلى للمدرسة مثل كل الآباء عندما كانوا صغارا...ثم يعود للمنزل فيتناول طعام الإفطار مع العائلة ثم نراه قد سبقنا إلى الدوام . أمير يعيش مع عائلته مثل أي مواطن عادي تماما يسكن في بيت متواضع جدا،  وعندما كبر الأولاد اضطر ان يضيف غرفة نوم لكي تتسع لهم . واضطر لان يوسع المطبخ وهو مثل أي مطبخ عائلة متوسطة الحال ..أثاث منزله مثل أثاث أي منزل عادي جدا، بسيط للغاية،  غرفة ضيوف عبارة عن بهو المنزل ويمكن ان نسميه الموزع تحتوي على "صاجلونات" مفروشة بالبسط الكركية،  و منها تنتقل إلى مختلف غرف الدار، ...

هل اكتب لك عن أمير كيف يربي أولاده، و كيف تتعامل زوجته وأولاده مع ضيوفهم،  وكيف يستقبلون الضيوف ويقدمون لهم الشاي والشراب والطعام بأنفسهم،  وكيف يسالون كل ضيف إذا أكل أو شرب من هذا الصنف أو ذاك وإذا كان مسرورا وكيف تتوزع العائلة بين الضيوف يجاملونهم ويتحدثون إليهم واحداً واحداً.

 أم اكتب عن دوامة وبرامج عمله اليومي والأسبوعي والشهري والسنوي كلها تسجل أولاً بأول وتثبت على الجدول عندما يأتي الصباح لا نعرف متى يغادر وبعد ان يغادر، يكمل برنامجنا بعد المساء.

أم اكتب عن إفطار العمل أو الغداء العمل أو عشاء العمل.و السبب ضيق الوقت وزحمة المواعيد،  فينجز الكثير بواسطة (الطعام مع العمل).

أم اكتب عن نظام (Staff Meeting)    وكان يعتقده كل صباح وأحيانا كل أسبوع يجتمع مع   كل العاملين معه،  ويناقش معنا كل صغيرة وكبيرة،  يطالع البريد بحضورنا ورقة ورقة وكل ورقة تلد أوراقاً والأوراق يخرج منها تعليمات لنا كل حسب اختصاصه وفي كل طلب تخرج إجراءات وفي كل إجراء تخرج اجتماعات وفي كل اجتماع تخرج لجان وفي كل لجنة تفرز ندوة وفي كل ندوة تفرز مؤتمرا أو مؤتمرات وفي كل مؤتمر تخرج مئات الأوراق والأبحاث والدراسات والزيارات وفي كل زيارة تجهز الترتيبات،  وفي كل ترتيب تخرج علاقة واتصالات، و في كله ينشغل المئات من الموظفين في كل أجهزة الدولة.

نظرت إلى صاحبي وإذا به مشدود النظرات صامتا لا يريد مني ان اقطع الكلام.

فقلت له ألا يكفي، قال : لا أرجوك أكمل : قلت: أنا لا اكتب إنما أتساءل وسأكمل تساؤلاتي هل تريدني ان اكتب عن زياراته وجولاته المحلية، و عندما كنا نسأله لماذا تريد الوزراء في مرافقة سموكم. كان يبتسم ويقول: بعضكم لا يعرف الأردن إلا عمان نريد ان نعرفهم على وطنهم،  فالأردن ليست عمان فقط وأهل الأردن ليسو أهل عمان فقط.

هل اكتب عن جولاته في أقسى الأحوال الجوية الصعبة يمر على القرى والمدن والبادية والمعسكرات،  يلتقي براعي غنم ويجلس معه ويلف له سيجارة "هيشة" يسأله عن حاله وأوضاعه.

هل اكتب كيف شاهد عشيرة تلتحف بالسماء وتفرش الأرض وكان لها بعد ذلك إسكان تأوي إليه.

هل اكتب عن متابعة للاستيطان الإسرائيلي منذ قيام أول مستوطنة في الأراضي العربية المحتلة وإنشاء وحدة خاصة في مكتب لهذه الغاية،  خرائط أولاً بأول.

هل اكتب كيف كان يقدم الخرائط العلمية للضيوف عندما يحدثهم عن الاستيطان وخطره على السلام.

هل اكتب عن الضيوف الذين غير برنامج  زيارتهم للأردن وادخل عليها جولة من مخيمات اللاجئين والنازحين ليشاهدوا بأم أعينهم عذاب الشعب الفلسطيني وكثر منهم تغيرت نظرته للقضية الفلسطينية بعد ذلك.

هل اكتب عن زيارات الأمير خارج الأردن والتي رافقته في بعضها، كان إذا وجد فرغا في البرنامج المزدحم منذ الصباح حتى المساء كان يطلب تعبئة الفراغ بزيارة مصنع أو مكان ثم يقعد في المساء بعد المساء جلسة عمل للوفد المرافق معه يقيم النتائج أولا بأول، و يوزع الطلبات والإجراءات التي يجب ان تتخذ بعد كل زيارة.

هل اكتب عن رفضه إدخال وقت للتسلية واللهو على برنامج زيارته.

أم اكتب عن شهر رمضان الذي لم يكن ليتناول فيه طعام الإفطار مع عائلته إلا ما نادرا، فقد كان فرصة لعقد لقاءات على الإفطار مع كافة الفعاليات والقطاعات المختلفة في البلد.

أم اكتب عن سؤاله الدائم والمستمر إذا ما قرأ أو اطلع على حالة إنسانية،  ولا يكف عن السؤال قبل ان يتلقى الإجابة بحلها أو مساعدة أصحابها.

أم اكتب عن مئات الإعلانات التي كان يوزعها خارج عمان وبصمت كامل دون إعلان في مختلف المناسبات الدينية.

أم اكتب عن مقابلاته لمختلف الشخصيات الأردنية ثلاث مرات في الأسبوع،  وكم عدد من قابلهم في اليوم الواحد.

أم اكتب عن متابعاته لكل صغيرة وكبيرة من الواجبات المطلوبة من المسؤولين.

أم اكتب عن تذكره وسؤاله عن الذين خدموا مع أجداده وآبائه ومعه.

أم اكتب عن حرصه الكامل والشديد لسمعة الأردن وشعب الأردن ومصلحة الأردن.

أم اكتب عن تواضعه وتسامحه مع من يخطئ .

أم اكتب عن أفكاره في دعم وتوطيد علاقات الأردن مع أشقاءه العرب ومع الدول الإسلامية والدول الصديقة والتي كانت بواسطة زياراته ولقاءاته ورسائله الكثيرة جدا.

أم اكتب عن الأهداف النبيلة التي كان يسعى إليها بإنشاء منتدى الفكر العربي حتى يجعل التواصل قائما بين مفكرين العرب بعضهم مع بعضهم وبينهم وبين الآخرين في مختلف دول العالم وبإنشاء المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية مؤسسة آل البيت حتى يجعل وحدة علماء الأمة الإسلامية عملا لا قولا.

وبإنشاء المعهد الملكي للدراسات الدينية، من اجل تقريب التفاهم بين وجهات النظر بين إتباع الدينيات من جهة وتخفيف حدة الهجوم على الإسلام من جهة أخرى.

أم اكتب عن الحوار الإسلامي المسيحي الذي بدأه سمو الأمير من اجل خدمة الإسلام والمسلمين وتوضيح الرسالة الإسلامية السمحة والتقرب والفهم والتفاهم بين الديانتين السماويتين وأتباعهما.

و بإنشاء منتدى الشباب العربي، من اجل إيجاد قاعدة شبابية كبيرة يلتقي فيها ومن خلالها كل شباب الأردن من أقصاه إلى أقصاه على خدمة الوطن والأمة ليبعد عنهم شبح التغريب عن ثقافتهم وحضارتهم، و هل اكتب لك كيف تمت محاربة هذا المنتدى.

والحديث يطول لو ذكرت لك بقية الدوائر والمؤسسات التي إنشاءها ورعاها الحسن بن طلال.

عن ماذا يا  صاحبي تريدني ان اكتب، هل اكتب عن أمير لا يعرف المستحيل؟عن أمير شريف عفيف يغار على أهله وبيته وعشيرته، عن أمير لا يخرج من منزله قبل ان تحمل زوجته المصحف فوق رأسه.

أم اكتب عن تفانيه في خدمة أبي الأردنيين جميعا جلالة المغفور له الملك حسين بن طلال رحمه الله وحرصه على تامين راحة وصحة جلالته وتجهيز ما يلزم من وثائق وأوراق ورسائل كان يطلبها جلالته رحمه الله.

و ان كل جهده ذاك وبحثه وتجواله وعملا ليلا ونهارا كان من اجل العرش وصاحب العرش ولا يزال.

وأكملت لصاحبي قائلا : يجب ان لا ننسى ان سمو الأمير الحسن ليس نبيا ... وبودي ان اسطر له قائلاً: كل عام وأنت بألف ألف خير أيها الأمير الإنسان أيها الكبير الكبير ... يا قائد الشباب وحكيم الشيوخ .. يا أيها المخلص الوفي للعرش ولصاحب العرش ولهذا الوطن الحبيب،  كنت وما زلت على الدوام. فلك منا كل المحبة والإجلال والاحترام والله يحفظك ويرعاك.

ابتسم صاحبي وتمتم بكلام لم اسمعه ونهض واقفا.

20/3/2000

اللجنة الملكية لشؤون القدس

اللجنة الملكية لشؤون القدس هي لجنة أردنية رسمية مقرها العاصمة عمان تأسست عام 1971 لتُعنى بأوضاع مدينة القدس ونشر الوعي بأهمية قضية القدس.

مهامنا

وضع الإطار العام لتوجهات اللجنة سياسياً وإعلامياً والمصادقة على الخطة العامة السنوية للجنة، واتخاذ القرارات الكفيلة بإنجاحها ومتابعة تنفيذها.