عبدالله كنعان
جاءني صاحبي مبكراً ودون موعد، ليبادرني قائلاً: هل سمعت بقرار بوش إعلان حربه العدوانية على العراق؟
قلت: ما الجديد في الأمر؟ أمن أجل هذا أتيت مبكراً؟
قال: نعم ولا. نعم لأني أدرك أن لديك ما تقوله في هذا الأمر الخطير. ولا لأني لم أشأ ذلك فحسب بل أردت محاورتك في موضوع لقائنا السنوي.
قلت: فهمت قصدك ولكن ما دمت قد ذكرت عدوان أميركا على العراق، دعني أقول لك، لو وجد سمو الأمير الحسن بن طلال آن ذاك من يتبنى أفكاره وطروحاته ويعمل على تطبيقها .. لما وصل بنا الحال إلى ما نحن عليه الآن من التردي والهوان.
قال صاحبي: حال من تقصد؟.
قلــــت: حال العرب والمسلمين طبعاً.
قــــال: كيف؟.
قلت: ما من شك أن لا الظروف ولا الوقت يسمحان بتناول ذلك بالشرح المفصل على أني سأحاول إختصار الموضوع ببضع جمل، واللبيب بالإشارة يفهم.
لا بد أنك تعرف سمو الأمير الحسن هو الذي بدأ يؤسس للحوار بين الأديان، وللحوار بين المذاهب، وللحوار بين الثقافات. وهو من دعا إلى الحوار بين الناس والنظام السياسي، الحوار بين الحاكم وبين المحكوم، الحوار بين كل الفئات على إختلاف أرائهم ومذاهبهم ومعتقداتهم الفكرية والدينية، الحوار بين الدول والشعوب على أساس القيم التي تجمع ولا تفرق.. كان ينادي بالقانون الإنساني ليأخذ مكانه في العلاقات الدولية بغية ترسيخه نظاماً كونياً .. بدلاً من قانون القوة. فالأمير يريد أن يكون للتراث وللثقافة وللإنسان الإعتبار الأساسي في العلاقات بين الدول، ذلك أنه كان يدرك خطورة التعصب العرقي والديني والمذهبي والطائفي والحزبي سواء بين أبناء الشعب الواحد أو بين الشعوب المختلفة، ويدرك أهمية الحوار بينهم للتلاقي على القيم والقواعد الأخلاقية المشتركة.
قال: أكمل!.
قلت: أظن في ذلك كفاية، والشاطر يفهم.
قال: ولكني أراك مهموماً وقلقاً مثلي.
قلت: صحيح إنني قلق على العراق، لكن تأكد بأن العراق سيبقى العراق وشعبه سيبقى شعب العراق، فأنا أشعر بالإطمئنان وحتمية النصر في النهاية ستكون للعراق الشعب والتاريخ والحضاره، مع أن سمو الأمير حسن كان قد نبه مبكراً إلى خطر الاستعمار الجديد للمنطقة والذي قد يبدأ بالعراق وينتهي بالمنطقة بأكملها. ولكن مصيره الفشل بكل تأكيد فهذه الحقيقة ترقى إلى مستوى الحتميات الدينية والتاريخية. والتاريخ البشري خير شاهد على ذلك.
قال: إذن .. ما بالك قلق ..؟.
قلت: يقلقني حال القدس والأقصى والصخرة وكنيسة القيامة، يقلقني الإستيطان. فمع ذكر القدس هل تعلم يا صاحبي أن سمو الأمير كان ينادي بأن القدس يجب أن تكون أول بند في المفاوضات بين العرب وإسرائيل.. وهو أول من حذر من الإستيطان الإسرائيلي وإعتبره عقبة أمام أية محادثات سلام.
قال: لنعد إلى موضوعنا الذي أتيت من أجله.. فأنا أعرف بحكم إرتباطك الوجداني والقيمي ستعود بنا إلى التجوال في منظومة سجايا أميرنا الشخصية بأبعادها وتجلياتها الإنسانية والقيمية المختلفة التي تعرف بداية لكنها يقيناً قد لا تعرف نهاية، كما قلت أنت نفسك في مناسبات سابقة.
قلت: إذا كانت هذه قناعتك فما الذي تريدني أن أتحدث به أو أضيفه عن سمو الأمير؟.
وبتلقائية غير معهودة فيه أبداً أجابني قائـلاً: أريدك هذه المرة أن تضعنا في صورة أميرنا المفكر.. والحاكم.. أريدك أن تضعنا في صورة إستجابه الأمير للتحديات وأهمها تحدي السلطة بكل مغرياتها المادية والمعنوية .. أريدك أن تتجول بنا في تراث الأمير الفكري الوطني والقومي والإنساني ، أريدك .. أريدك ..
وما أن صمت صاحبنا حتى تخيل لي بأنه جاء هذه المرة وفي ذهنه ونيته أن يكون قطباً للإرسال لا للإستقبال.. فلو لم أقاطعه لإستمر إلى ما لا نهاية في منظومة مطالبه ..
قلت في نفسي.. أجل كل هذا يريد أن يعرفه مني تحديداً، صمت طويلاً وأنا في حيرة من أمري ولكني بادرته قائلاً:
يا صاح هذه موضوعات فلسفية وفكرية وسلطوية، وصدقني إن الحديث حولها يحتاج إلى مجهود ذهني وفكري يتعدى إمكانياتي وقدراتي الذهنية حالياً فالأمر لا يدور حول قضايا إنسانية وسياسية عشتها وشاهدتها بنفسي، إذ أن الحديث حولها سهل وممتع، لكنك تطلب الحديث حول جوهر الأمير الفلسفي والفكري والثقافي والروحي والإنساني.
قال: وكأنه واثق للغاية. أعتقد جازماً بأنك من القلة القليلة التي لم تسقط في شباك النفاق السلطوي، فأنت من القلة الأقدرين على كشف شخصية الأمير الفيلسوف والمفكر والمجاهد والإنسان، بسبب إرتباطكم اللصيق الذهني والسلوكي طيلة سنوات عملك في معية سموه. ثم ألم تقل ذات مره ((بأن خدمتك تجاوزت مع سموه مائة عام على إعتبار كل سنه خدمه مع سمو الأمير تعادل خمس سنوات في أي مكان آخر في الدولة)).
قلت: أشكرك على هذا الإطراء وأرجو أن لا نكون قلة كما تعتقد فالناس كلهم خير وبركة.
((أجل .. لا أنكر أن صاحبنا قد وضعني بأسئلته في حيرة من أمري.. هل أرده خائباً أم أحيله إلى بعض رجال الإختصاص والعلم ممن كانوا يتحلقون حول سموه ولكنهم تبخروا في معظمهم ؟ أم أسعى لتأمين مقابلة له مع سموه؟ هذا ما جال في خاطري للحظات..)).
ثم قلت والبشر بادٍ على محياي: يبدو إنك تحب الأمير أكثر مني لهذا سأجيبك على قدر فهمي وبإختصار!!.
ربما تعرف يا صاح أن الفلسفة هى الحكمة.. وأن الفيلسوف هو الحكيم .. الحكيم بالمعني الشمولي للمعرفة في مجاليها النظري والتطبيقي .. وأميرنا بهذا المعنى فيلسوف وحكيم .. فما من موضوع أو مجال من موضوعات ومجالات العلوم المجتمعية إلا وكانت له فيها آراؤه وطروحاته التي لم تبق ضمن حدود الوطن .. بل تعدتها إلى شتى أنحاء العالم. فها هى أفكاره وآراؤه في العلاقات الإنسانية بأبعادها الوطنية والقومية والدولية باتت معروفةً في أوساط المفكرين والسياسيين والباحثين في أكثر من مكانٍ في العالم. لهذا كان محط إهتمام المحافل الدولية سواء الفكرية أو المجتمعية أو السياسية أو الدينية.
فأميرنا واحد من أبرز مفكري تلاقي الحضارات والثقافات والأديان، وكان له الفضل في مأسستها في إطار فاعل إذ أنشأ المعهد الملكي للدراسات الدينية والمجمع الملكي لبحوث الحضاره الإسلامية، مؤسسة آل البيت، ومنتدى الفكر العربي، ومنتدى الشباب العربي، والجمعية العلمية الملكية وغيرها الكثير .. ودعوته إلى تأسيس برلمان ثقافي يمهد الطريق أمام التقارب الأممي بأبعاده المختلفة.
أما تجربة الأمير في الحكم فلا أظن أن أحداً في الداخل والخارج يجهلها، ولكن أبرز سمات فلسفة الأمير بخصوص السلطة هو إصراره على التمسك بمبدأ الحكم في خدمة الشعب والأمه والإنسانية وبخلاف ذلك تنتفي الغاية من الحكم. هذا المبدأ هو الذي مكنه من مقاومة إغراءات السلطة المادية والمعنوية، وأن يتقبل قرار شقيقة صاحب الجلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال بنقل السلطة من يد سموه إلى يد ابن أخيه جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين حفظهما الله برحابه صدر وإخلاص وتفان غير معهود، وأن يبتعد عن الأضواء والصالونات السياسية بتهريجاتها وحكاياها السلطوية اللامتناهيه. وبحكم مكانة سمو الأمير الفكرية وخبرته وحنكته السياسية أدرك جيداً مقتضيات التغيير المحلية والإقليمية والدولية وتقبلها عن طيب خاطر وإصرار على مكافحة الأنا والإلتزام بمنهج سمو المبادئ والأوطـان على غيرها من مصالح شخصية وألقاب… ألخ.
قال صاحبي: أرجوك أن تستمر.فالحديث جميل وممتع.
قلت: لقد تجلى سمو الأمير في فلسفته كمفكر وحاكم بطريقة تبلغ حد الكمال الأخلاقي برده على مقدمة برنامج الفضائية العربية الجديدة جزيل خوري بخصوص هذه الصالونات السياسية الأردنية والأسباب الإقليمية والدولية والشخصية حول إبعـاده عن السلطة قائلاً: "ربما دفعت أثمان كثيرة.. وما من أحد معصوم من الخطـأ، وربما أخطائي كثيـرة. ولكـن الحمدلله أخطائي لم تشتمل لا على الخيانة ولا على السرقة ولا على الكذب .. فربما كنت غير مجتهد بالقدر الكافي في السياسات البيزنطية وفي أشكال "الحسد" التي مع الأسف تشكل مجتمع المنافقين. وفي هذا المجال أقول أن الصدق مع الذات أمر أساسي في مستقبل هذه المنطقة...".
قال صاحبي: عظيم ما تقول!.
قلت: حقاً إن سمو الأمير يفعل ما يعتقد أنه صحيحاً صواباً وحقاً لا يهمه المديح أو الإطراء، إذ يختتم حديثة في الفضائية العربية بقوله:
"إذا كان لديكم عقل فنلتقي فكرياً هذا ما أدعو إليه. أما أحببتموني أو كرهتموني فالأمر عائد لكم".
ولهذا حرصت "فضائية الـعربية" أن تدشن برنامجهـا "العربي" بحوارٍ مع سمو الأمير الحسن. ولهذا أختير سمو الأمير الحسن ليكون مقرراً للمؤتمر العالمي للديانات والسلام، وهو العضو العربي والمسلم الوحيد في عدد من المنظمات الدولية التي تعنى ببعض النزاعات، ورئيساً لنادي روما وغيرها من المؤسسات االفكرية وحوار الأديان والحضارات.
وبعد هل تريدني أن أستمر أم أن للحديث صلة؟!.
قال: وختاماً ماذا يمكنك أن تقول بعد؟.
قلت: أشكرك على هذا اللقاء المتجدد.. أريد أن أكرر ما سبق وإن ذكرته في العا م الماضي بهذه المناسبة .. من لم يكن وفياً لقديمة لن يكون وفياً لجديده. هذه هى رسالتي للأجيال.
وختاماً أقول لسمو الأمير الحسن بن طلال المفكر والإنسان والمجاهد كل عام وأنتم بألف خير وحمداً لله على سلامتكم.
20/3/2003