الحسن بن طلال كما عرفته - مشروع الحسن بن طلال بين الواقع والطموح 2006

بقلم: عبدالله كنعان

الأحداث تصنع التاريخ.. والتاريخ لا تحتفظ ذاكرته إلا بذلك الطراز من القادة الذين يمتطون صهوته من خلال مجد عسكري.. أو حضور امبراطوري، أو انبعاث حضاري على اختلاف أشكاله.. وهناك أيضاً من اغتصب التاريخ من خلال فعل أو حضور تخريبي تدميري.. وشتان بين ثقافة العمران.. وبين ثقافة التدمير وإبادة البشرية والعمران.

ومن بين أولئك القادة التاريخيين الذين سطع نجمهم في سماء الوجود الحضاري يلمع اسم صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال، حفظه الله ورعاه.. هذا الأمير الذي يتذكره معاصروه في السلطة وما قبلها وبعدها في هذا اليوم، ذكرى عيد ميلاده السعيد، أميراً للخلق والفكر والسياسة.

والالتزام المبدئي بقضايا الوطن والأمة والإنسانية.. يتذكرون أمير الإبداع للتحول بالفكر من الأبراج العاجية إلى عالم المعايشة والتفاعل الإنساني، عبر الوطني، وعبر القومي، وعبر الإقليمي، باتجاه عالم التعددية الإنساني، وفهم الآخر وحقه في رسم معالم التاريخ بقدر حضوره الخير.

عالم اليوم تتصارعه الكثير من الأدوار التاريخية المتعددة الأشكال منها ما وجد قادته وأبطاله المبحوث عنهم، ومنها ما لا يزال يبحث عن قادته وأبطاله. وهو ما يخرج من إطار إمكانات وإرادات الدولة والقادة الذين لا تساعد بيئتهم أو جغرافيتهم السياسية على استجوابهم للأدوار التاريخية التي تبحث عنهم، على العكس تماماً من الدول التي يتوالد فيها "القادة والأبطال" بالإنشطار وفي عمليات تلقائية بحكم عناصر القوة المجتمعية لدولهم وأهمها: القوة العسكرية والتكنولوجيا المعرفية، مثل هؤلاء القادة ما كان لهم أن يحلموا بمسؤوليات متوسطة المستوى لو كان قدرهم أن يعيشوا في إحدى دول العالم الثالث.

ومن هنا فإن القادة التاريخيين والأبطال حقاً الذين قد تجود بهم حاضنة التاريخ ويحتضنهم هذا البلد أو ذاك من بلدان العالم الثالث والمؤهلين فعلاً للنهوض بالأدوار التاريخية التي تبحث عنهم ليس بمقدورهم "وفي مقدمتهم سمو الامير الحسن بن طلال"، سوى إبداع مشاريعهم النهضوية على أساس عالمي وبأدوات عالمية موظفين كل طاقاتهم الفكرية والسياسية لحمل العالم من خلال مؤسساته الحكومية وغير الحكومية على تبني هذه المشاريع بما يوحد العالم ارادياً على أساس تبادل المصالح، وتفاعل الحضارات وليس صدامها، واشغال كل لحيزه ليس من باب الاستئثار والتفرد والهيمنة والاحادية، بل على أساس مصلحة المجموع العالمي، وخير الإنسانية وتعاضدها.

فما هو يا ترى المشروع الحضاري لأميرنا الحسن بن طلال؟ وما أبرز مقوماته وسماته ومبرراته وأهدافه؟ وما الآليات الكفيلة بالتحول به من مشروع فكري أو نظري إلى واقع معاش ملموس؟ وهل هو مشروع قابل للتحقق أم أنه مجرد تصورات فكرية مكانها الأعاحي السماوية لا الأرض والواقع؟ أم أنه مجرد فلسفة فكرية سياسية شبيهة بتلك التي سبقه إليها العديد من فلاسفة الفكر والسياسة منذ فجر التاريخ، منهم من جاء الواقع السياسي المستقبلي إنعكاساً لفلسفته الفكرية والسياسية مثل جون لوك، وروسو ومونتسكيو، ومنهم من ظلت فلسفته السياسية والفكرية على قارعة الطريق، وأن حكم باسمها في هذا البلد أو ذلك وأبرزهم ماركس ورفيق دربه فريدرش انجلز؟

ومع أنني غير معني في هذه العجالة بدراسة وتحليل البناء النظري لمشروع الأمير الحسن، ومدى ملاءمته للظروف المحلية والإقليمية والدولية، فإن من الممكن تصنيف مشروع سموه من حيث بنيته الفكرية ومنطلقاته ومكنوناته وأهدافه وآلياته بأنه مشروع عالمي، وأن دأب الأمير الحسن منذ المراحل الأولى لمشروعه النهضوي ولا يزال على تسميته بالمشروع "عبر القطري" و"عبر الإقليمي"، تارة وبـ "فوق قطري" و"فوق إقليمي" و"فوق قاري" تارة أخرى.

مشروع الحسن مشروع عالمي بمدخل قيمي معرفي تكنولوجي مصلحي وسطي "متوازن" فهو مشروع بمقومات أساسية هي:

  • الموروث القيمي العالمي بخاصيته الجامعة الجاذبة وليست المنفرة الطاردة.
  • المعرفة بطبيعتها الإنسانية المستندة للحقوق الابتدائية والأساسية لبني البشر على اختلاف أجناسهم وأديانهم وقوة أو ضعف بلدانهم ودولهم.
  • المصالح المشروعة للأفراد والأمم بغض النظر عن قوة هذه الأمة أو ضعفها والمستندة إلى الاحترام المتبادل والثقة بالنفس والآخر، بمعنى تناغم المصالح للأمم ودولها لا تضادها وتصادمها.
  • التفاعل الحضاري للشعب والأمم وليس صدام الحضارات او صراعها كما يحاول صموئيل هنتنغتون الترويج لذلك.
  • الوسطية والاعتدال وليس التطرف والإرهاب بشكليه الفردي والجماعي، أو الحكومي وغير الحكومي والذي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن اعتراف الأقوياء تنظيمات ودول بحق الضعفاء في مشاركتهم قوة المعرفة والتكنولوجيا والتقدم العلمي والتنمية بما يحقق للجميع شعوباً ودولاً المستوى المعيشي المتكافئ نسبياً، وحق الشعوب والأمم الضعيفة أو الفقيرة في أن تتمتع بقدر من السيادة يجعلها تنظر لنفسها في مرآة التاريخ بارتياح لترى إنسانيتها وانعتاقها لا عبوديتها وإذلالها.

هذه هي بتقديري العناصر أو الأركان الأساسية لمشروع الأمير الحسن العالمي الذي أعاد تناوله في محاضرته التي ألقاها في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية في 29/كانون الأول/2005، هذه المحاضرة التي تصلح بما تضمنته من أفكار وطروحات لأن تكون مادة للعديد من الندوات الفكرية وللطروحات الأكاديمية في مجالي العلوم الإنسانية والعلوم التطبيقية على حد سواء. ولكن ما هالني حقاً أن هذه المحاضرة التي تحتضن مشروعاً نهضوياً بركنيه النظري والتطبيقي مرت وسائل إعلامنا وكذلك منتدياتنا الفكرية ومراكز بحوثنا وجامعاتنا عليها مرور الكرام لأسباب لا ندري أهي تتعلق بصعوبة الموضوع أو بعدم القدرة على تبصره وتدبره، أم للاعتقاد بأنها أفكار وطروحات خارج السياق الوطني والإقليمي والدولي، بل وربما حسب منظورها خارج السياق التاريخي.

مشروع الحسن مشروع وطن وأمة وإنسانية بأفق عالمي.. مشروع يهدف إلى إعادة ترتيب العالم على أسس غير تلك التي يستند إليها عالم اليوم.. عالم القوة المتغطرسة والمصالح الأنانية الضيقة للأفراد والمجموعات والتنظيمات والدول على حساب الآخر، مشروع تفاعل الآخر بالآخر وليس تضاده وتصارعه حد الإلغاء والإبادة بالمعنى القيمي والوجودي.

أجل مشروع أميرنا مشروع يطمح إلى إعادة ترتيب العالم استناداً إلى الموروث الحضاري والقيمي المشترك للأمم، ولمصالحها المشروعة، وحقها قي مشاركة بعضها في الاستثمار البنّاء والخلاّق للمعرفة والتكنولوجيا والتمتع بالحقوق الأساسية، وأهمها حق المرأة والأمم في الحياة والحرية والتعبير عن الرأي والمعتقد والعيش في ظل نظام ديمقراطي حقيقي وليس موهوماً أو مفروضاً.

مشروع الحسن وإن هو في إبداعه ذو طبيعة فردية، أي من نتاج الفكر الفلسفي أو الفلسفة السياسية لسمو الامير الحسن، فإنه في مراميه وأهدافه يتعدى ساحة الوطن الصغير والكبير باتجاه الأقاليم والقارات والعالم، وهو ما تنبهت إليه العديد من مؤسسات البحث العلمي ومراكز البحوث الأجنبية وصولاً إلى إنشاء مؤسسات تحمل اسمه مثل "أمانة الحسن" في لندن التي يبدو أنها قد عقدت العزم على الترويج لمشروع الحسن العالمي الإنساني بطريقة عملية وتوظيفها لتكنولوجيا المعرفة كما دعته تلك المؤسسات ليكون عضواً فيها أو رئيساً لها.

ولكن مشروع الحسن سيظل مشروعاً نظرياً ينظر إليه البعض على أنه ترف فكري ما لم يتم الاهتداء إلى الآليات الكفيلة بتبصير صناع القرار الوطني والإقليمي والدولي بأهليته للتطبيق وقابليته للحياة، هذه الآليات التي لا بد وأن تجد انطلاقتها في الوطن والأمة باتجاه الممارسة الإنسانية والعالمية.

ولعل مشروع "أمانة الحسن" المشار إليه آنفاً يكون بداية الطريق نحو التحول بهذا المشروع من المجال النظري إلى مجال التطبيق لخير الإنسانية بمكوناتها الأثنية والدينية والفكرية المتعددة على طريق تحقيق الأمن لجميع شعوب دول العالم صغيرها وكبيرها على حد سواء.

وكل عام سيدي وأنتم بألف خير

الديار 20/3/2006 العدد 306 ص4

اللجنة الملكية لشؤون القدس

اللجنة الملكية لشؤون القدس هي لجنة أردنية رسمية مقرها العاصمة عمان تأسست عام 1971 لتُعنى بأوضاع مدينة القدس ونشر الوعي بأهمية قضية القدس.

مهامنا

وضع الإطار العام لتوجهات اللجنة سياسياً وإعلامياً والمصادقة على الخطة العامة السنوية للجنة، واتخاذ القرارات الكفيلة بإنجاحها ومتابعة تنفيذها.