بقلم : عبد الله كنعان
في عيد ميلادك، نحتفظ بملامح لحظاتنا المثقلة بالاصرار وخيوط التفاني تربطك بنا وتربطنا بك، لنكمل ردهة من العمر باقية. نستذكر سنين مضت بساعاتها وأيامها، نهارها وليلها، كانت مليئة بالأحداث والعمل الدؤوب. كنا معك دائماً نركض ونحن نتابع الأوراق والملفات والأشخاص والبرامج والمواعيد والجولات والمكالمات الهاتفية والمقابلات والزيارات، نركض لعلنا ننهي قبل غروب الشمس. ولكن هيهات … ثم نتابع الركض قبل ان ينتصف الليل، ثم نتوقف بعده بساعة أو ساعتين، لنجد أنفسنا وقد لفنا السكون من حولنا، لا أحد يتحرك، حتى الطير يكون قد اخلد للنوم. وما أن يبزغ الفجر نستيقظ لنلحق شروق الشمس، نحن معك نتبع خطواتك ونخطو خلفك، هكذا كنا نفرح ونسعد حينما نرى النتائج قد تحققت وأن ركضنا خلفك ومعك قد انتج شيئاً … لقد كنت يا سيدي دوماً تعلن العصيان على السكون، تحرك امواجنا الراكدة، تخلق لبحرنا امواجاً.
كنا نفرح عندما نراك فرحاً لانك أصلحت أو تلافيت خطأ كان قد وقع به مسؤول، ونحزن عندما نراك حزيناً لأن كلمتك او نصيحتك لم يأخذ بها فيقع الخطأ. لقد عودتنا رؤية ما لا يرى، ومتابعة ما يهمله الآخرون. فهناك مساحات لا يراها سوى من حباهم الله بعد النظر وعمق الفكر.
كنت تحمل الهم الوطني وتجهد نفسك من اجله، كانت أرادتك صلبه وقويه تماماً مثل ساعدك القوي، كانت لياقتك الفكرية تماماً مثل لياقتك الجسدية قوية ومتجددة ومتحركة، لا تمل ولا تستكين، تحاول دوماً إلغاء المستحيل من أدبيات قاموسك ، لتخنق فينا رائحة اليأس.
آه يا سيدي ما أروع تلك الأيام بعرقها وتعبها، بفرحها وحتى بحزنها … كم تعلمنا منك وحفظناه عن ظهر قلب، علمتنا ان الإخلاص والوفاء للعرش، هو إخلاص للوطن ووفاء للأمه، وهو قبل كل شيء ، وقد جسدت ذلك قولاً وعملاً، فبنيت بذلك سيدي داخلنا وطناً عصياً على الانكسار ، عاصمته قلبك الكبير، الذى يصفح ويحب، دون تنازلات، وحدوده العمل للانسانية جمعاء……..
لقد علمتنا كيف نفكر ونتمثل المبادىء السامية لعروبتنا وعقيدتنا، فننبذ الاقليمية والجهوية والطائفية والعرقية والعصبية الضيقة، بحثاً عن الانسان . ففي ميلادك سيدي نتذكر الانسان عندما يكون انساناً … فكم مسحت الحزن وخففته بزيارتك ومواساتك لمن فقد عزيز….وكم رحمت عزيز قوم ذل، حينما استجار بك….واعدت الحق لصاحبه، حينما لجأ اليك….. فكان اسمك يخيف الظالم ويفرح المظلوم……
كم صلينا بمعيتك في المسجد يوم الجمعة، في ظل النفحات الأيمانية العطرة، اجتماعات مباركة تغرس المحبة في النفوس وتقوى أواصر الأخوة والتلاحم بين المؤمنين. وكم باركنا بمعيتك لأخواننا المسيحيين في كنائسهم، تبارك لهم في صلواتهم وأعيادهم وتعزز نهجهم حرصاً على إدامة التواصل والمحبه والاخاء والتلاحم بين ابناء الوطن الواحد والحضارة الواحدة. كم دعوت للحوار بين الأديان والمذاهب كي لا يدخل الكره والتعصب الديني بين الشعوب. وها هم يتقاتلون على الهوية والدين والمذهب.
وكم حذرت في خطاباتك ورسائلك من بلقنة المنطقة وها هم يفعلون، وكم قلت لنخطط لأنفسنا قبل ان يخطط لنا وها هم يفعلون، وكم حذرت من أول مستوطنة أقامتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة عام 1967 ، وها هم يقيمون مئات المستوطنات.
كم ناديت بالانفتاح على العالم بروح العصر. وقدمت الاسلام بروعته وتوازنه. وجمعت العلماء من كل انحاء العالم لتؤسس قكراً متجدداً وانبعاثاً حضارياً يصحح صورة الاسلام في نظر الغرب. وكم ازعجت اراؤك اعداء الأمه والوطن، لانك كنت تكسب جولات في الحجة وبيان الرأى، وتسجل نقاطاً لصالح العرب والمسلمين. وكم غسلت دماغ الكثيرين ممن كانوا ينحازون ضد أمتنا وقضاياها، فحيدت البعض منهم وكسبت البعض.
نتوق يا سيدي دوماً إلى من يقرضنا بضع ابتسامات نقرؤها فيك، ففي جولاتك وأحاديثك الدافئة رائحة مشبعة بنور الأمل والتفاؤل وكأنك تغسل أحزاننا بنور شمس الصيف وغزارة مطر الشتاء. وفي هذا اليوم سيدي نهديك إحساساً آخر نقلدك وساماً نعلقه على تاج حبنا ونطبع على قلبك الدافيء قبلة حارة .
في عيد ميلادك :
نذكر كل أيامك بحلوها ومرها، نذكر تساميك وتسامحك ووسع صدرك وصبرك أمام الاحداث، في عيد ميلادك، نسأل الله العلي القدير ان يمنحك الصحة والعافية ويسبغ عليك راحه الفكر وهدوء البال ويكلل حياة سموكم وأسرتكم الكريمة بالسعادة والهناء .
وكل عام وسموكم والعائلة الهاشمية بالف خير
20/3/2005م