عبد الله كنعان
أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس
سألني صاحبي
هل لك ان تحدثنا عن سمو الأمير بهذه المناسب
قلت
قلت لك في العام الماضي وقبله ان صفحات جريدتكم لا تكفي لو ارادت الكتابة عنه.
قال
لم اقل لك تكتب بل تحدث.
قلت
ان مئة شريط وشريط لا تكفي للحديث عن سموه.
قال
إذن نسألك بعض الأسئلة فتجيب.
قلت
هذا أفضل اقتراح، ولكن سأجيب بما اعرف وبما يحق لي الاجابة عليه، فهنالك أمور لا يجوز لمن عمل أو يعمل لدى الأمير ان يبوح بها لانها ملك للأمير وحده.
قال
هذا حق: كيف حال سمو الأمير.
قلت
بحمد الله بخير.
قال
ما قصدت ان اسمع منك جواباً مقتضباً كهذا، بل أردت تفصيلا مثل هل هو سعيد؟! هل هو حزين؟! هل هو متألم؟!
قلت
أعتقد ان كلها تجتمع عند سموه .. فهو سعيد وحزين ومتألم في آن معاً.
قال
كيف تفسير لنا هذا؟
قلت
مع ان السعادة نسبية إلا ان هناك قواسم مشتركة لدى الناس جميعاً في كثير من الأحيان فالإنسان يشعر بالسعادة إذا كانت صحته والعائلة بخير وعافية،ليس فيها مريض لا يرجى شفاءه،او عليل بحاجة دائما للرعاية والعلاج، أو فقير محتاج لياكل قوت يومه، أو شرير يسبب الإزعاج والمشاكل والسمعة السيئة لأسرته وأهله.
أما حزين... مع انني لا أملك الحق بالإجابة عنه إلا أنني سأجتهد، فاعتقد ان الحزن قد دخل إلى نفس سموه أكثر من مرة،كان آخرها حزنه الكبير يوم وفاة شقيقه الأكبر ورفيق دربه وعمره، وأستاذه منذ الصغر، جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين طيب الله ثراه.
و قبل حزنه الاكبر كان حزينا لما وصلت اليه احوال امتنا العربية الإسلامية وبالأخص القضية الفلسطينية، واعتقد ان هذا لا يحتاج إلى تفصيل أكثر، فسموه دائما يقول ان 80% من لاجئي العالم هم من المسلمين، وتعلم والناس كلهم يعلمون ان سموه كان يواصل اليل بالنهار طيلة ثلاث وثلاثين عاماً وهو ولياً للعهد، ساعياً ومجاهداً من أجل ان يحقق الأردن الاكتفاء الذاتي من الموارد، ويسدد المديونية، ويقضي على البطالة والفقر .... الخ، وكان يتمنى ان يصبح الأردن سنغافورة العرب.
قال
ولماذا لم يتحقق ما كان يتمناه؟
قلت
هذا سؤال يساله واحد مثلك وأنت سياسي مثقف.
قال
وما الغريب في الأمر!
قلت
تصوره انسان انه مسؤول ويريد ان ينجح أولاً، و ليساعد شقيقه الذي أولاه ثقته ثانياً، وليؤكد عمق رسالة الآباء والأجداد ليخدم الناس... كل الناس في الأردن الذين منحو العرش الهاشمي ثقتهم ثالثاً، ثم يجد انه كلما بنى وأسس جاءت قوى خفية لتهدم ما بناه وأرساه، وكأنها لم تكن وقد ذهبت مع الريح...، هل نسيت الكوارث التي حلت بامتنا العربية والتي أثرت على كل ما كان يخطط له سمو الأمير، وبما ان الشعوب الان مصابة بمرض النسيان وأخشى أن تفقد ذاكرتها، فدعني يا أخي أذكرك بالكوارث الهامة التي اثرت على حلم سموه وحلم كل أردني وعربي أيضاً منذ تسلم ولاية العهد عام 1965م، وهي: "حرب 1967م، واحتلال الضفة الغربية والأراضي العربية في لبنان والجولان ومصر من قبل اسرئيل، وخرب عام 1973م، والحرب الأهلية اللبنانية وبعدها الحرب الإيرانية-العراقية، ومن ثم حرب الخليج، فاي دولة في العالم ممهما كانت إمكانيتها وطاقتها لا تستطيع الصمود امام هذه الكوارث وما جرته على العرب بشكل عام وعلى الأردن خاص".
قال
لا تؤاخذنا، فهذا لم تخطر على البال.
قلت
يا صاحبي، انت تسالني عن أمير غير عادي، أمير كان حلمه كبيراً، وحلمه ثقيلاً، والإمكانيات ضئيلة، والطريق غير معبدة، فهو مسؤول مع قمة الهرم.
قال صاحبي
ما كل ما يتمناه المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن قل لنا كيف هو متألم؟ وما الذي يحز في نفس سموه؟
قلت
سأجيبك على هذا السؤال في نهاية الحديث.
قال
المشروع النهضوي الحضاري.. لم تحدثنا عنه.
قلت
إن الحديث عنه طويل، ولكن دعني أوضح لك أولاً بأن رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني "وهي رسالة ذكية ورائعة" إلى سمو الأمير الحسن بن طلال حفظهم الله، ورسالة سموه الجوابية حول هذا الموضوع، كان لها اثر كبير في نفوس كل المحبين والمخلصين والأوفياء نظراً لما تضمنته الرسالتين من معان وعبارات جميلة، تؤكد للقاصي والداني عمق المحبة والتقدير والاحترام الذي يكنه جلالة الملك إلى عمه سمو الأمير، واستعداد سموه لخدمة جلالته على الدوام، والدعم اللامحدود من جلالته إلى سموه، لاستئناف هذا المشروع ولمن يرغب في الاطلاع عليه، فمحاضر سمو الأمير حوله كانت في الجامعة الأردنية يوم 14 كانون الثاني 2002 م، كما انني كتبت حول المحاضرة مقالاً نشر في صحيفة الأسواق الصادرة يوم 27/1/2002 م، تحت عنوان "الحسن بن طلال والمشروع النهضوي الحضاري .. دعوة للإبداع وليس لاجترار"، ففي تللك المحاضرة ألقى سمو الأمير الكرة في ملعب رجال الفكر والعقيدة، والثقافة والأدب، وأساتذة الجامعات، ولكن يؤسفني أن أقول لك بأننا لم نسمع من احد منهم ولو كلمة حتى الآن، بينما كانوا يملؤون صفحات الجرائد وهم يعلقون على كل كلمة قالها.
قال
هل لك ان تحدثنا عن المهام التي يتولاها سموه الآن.
قلت
بالإضافة إلى مسؤولياته المباشرة عن المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا والدوائر التابعة له، واللجنة الملكية لشؤون القدس، ومنتدى الفكر العربي، والمعهد الدبلوماسي، والمعهد الملكي للدراسات الدينية، والجمعية العلمية الملكية، والأكاديمية الإسلامية للعلوم، هنالك مهمات ومسؤوليات أخرى خارج الأردن، فهو عضو في المجموعة الاستشارية غير الرسمية التابعة للمفوضية العليا للاجئين، وعضو مؤسس ونائب الرئيس في مؤسسة البحوث والحوار بين الأديان والثقافات التي مقرها جينف في سويسرا،كما أنه رئيس المؤتمر العالمي حول الدين والسلام،كذلك سموه رئيس لنادي روما، ورئيس اللجنة الاستشارية الخاصة بالسياسات في المنظمة العالمية للملكية الفكرية، وعضو للهيئة الدولية لمجلس العلاقات الخارجية، وعضو فخري في اللجنة العالمية للثقافة والتنمية التابعة لليونسكو، وعضو اللجنة الاستشارية الدولية للحوار بين الاديان التابعة لمنظمة اليونسكو.
قال
يكفي – أعانه الله.
قلت
لهذا تجده كثيراً من الأوقات خارج البلاد.
قال
يقولون ان سمو الأمير لديه أعمال تجارية، ومساهم كبير في بنك الإسكان.
قلت
أرجو إن تصغي إلي جيداً، ولن أطيل لك الشرح في هذا المجال ويكفي أن أختصره على النحو التالي: منذ أن تشرفت بالعمل بمعية سموه، وعلى مدى السنين الطويلة، كان سمو الأمير يرفض مقابلة أي من أصحاب الشركات الكبرى، أو رجال أعمال من التجار، سواء في الداخل أو الخارج إذا كان موضوع المقابلة يتعلق بصفقات تجارية معينة، مهما كانت نوعها، إذ كان يردد حينها قولاً مأثوراً "الإمارة والتجارة لا يجتمعان".
أما حكاية بنك الإسكان فكاي مشروع من مشاريع التي تهم الأردن، اهتم سمو الأمير بهذا المشروع، وكان مديره العام ومجلس إدارة هذا البنك يطالبون دعم سموه ونصائحه لكي ينهض هذا البنك من أجل تحقيق الأهداف التي أنشئ من اجلها، وكدعم معنوي، فقد فتح لأولاده وكانوا أطفالاً حسابات توفير لم تتجاوز بعض عشرات من الدنانير لكل دفتر توفير، وكشوفات البنك معلنة وواضحة مثل الشمس، هذه كل الحكاية. ثم لو كان تاجراً أو مساهماً كبيراً في بنك الإسكان أو غيره، لما كان مضطرا لطلب المساعدة من بعض الأصدقاء ليتمكن من تغطية نفقات مكتبه الذي كان يضطلع بمهام كبيرة تزيد من نسبة المخصصات التي ترصدها الموازنة له.
قال
مبتسما... قل لنا ما الذي يغضب سمو الأمير؟ أم انه دائما غاضب!
قلت
فهمت ما ترمي من سؤالك وابتسامتك، فالناس يشاهدون سمو الأمير على الشاشة أو الصحافة وهو جاد كثيراً، أو مقطب الحاجبين، فإذا عرفت شخصية سموه تستطيع أن تعرف الإجابة، فسموه بالعمل لا يعرف اللهو واللف والدوران، والمماطلة والتقاعس، أو تأجيل عمل اليوم إلى الغد، أو عمل الصباح إلى المساء، أو عمل المساء إلى اليوم التالي، فهو يعتبر سرعة انجاز العمل والإخلاص والقيام بالواجب عنصر هام من عناصر بناء الوطن، وصفات يجب توافرها بالمسؤول، لذلك تراه جاداً ومنشغل الفكر، إلى حين انجاز العمل، وتراه غاضبا، إذا لمس تقاعسا أو إهمالاً. أو الشعور بالمسؤولية من الموظف أو المؤسسة أياً كان مركزه أو صفته، فليس لديك عند الحسن بن طلال أي عذر في اهمال اي عمل أو تأخير في انجازه.
قال
سمعت أحدهم يقول أخطئ مع الحسين ودير بالك تخطئ مع الحسن.
قلت
من تجريبتي .... هذا صحيح، ذلك يعتمد على نوع الخطأ، فبقدر ما يغضب سموه بسرعة ... بقدر ما يهدا بسرعة، فإذا ما شعر انه قساة عليك وأغلظ في كلامه معك يحاولان يسترضيك بطريقة وأخرى ويعفو عنك.
قال صاحبي
يقال بانه طيب القلب.
قلت
صدقت، صدقني ان قلت لك بأن قلبه مثل قلب الطفل طيبة وحناناً، وإنسانية، ومشاعر وعطف، لكنه مثل قلب لأسد شجاعة وإقداماً وشهامة ومروءة. وصدره فقد وسع الدنيا بسمائها وأرضها وصلب عند الشدائد مثل الصخر.
قال
صحيح، وأكبر تجربة على ذلك يوم تلقى رسالة جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال قبل وفاته.
قلت
ذكرتني الآن لأجيبك لماذا هو متألم، إلى جانب الكبير كما قلت لك، وهو اعتقادي أن الوقت لم يسعفه ليتمكن من الدفاع عن نفسه، إذا كان قضاء الله وقدره أسبق لينتقل صاحب الرسالة المغفور له بإذن الله إلى الرفيق الأعلى.
قال
هل تريد كلمة أخيرة تقولها بهذا المناسبة.
قلت
لي كلمة أخيرة في حوارنا اليوم وهي دعائي إلى الله العلي القدير ان يديم الصحة والعافية على جلالة الملك عبدالله الثاني سمو الأمير الحسن بن طلال، ويحفظهم من كل سوء ومكروه.
و كل عام وانتم بخير
20/3/2002