عبد الله كنعان*
يعتاد المرء بين الحين والآخر على كتابة سطور وعبارات يعبر فيها عن مشاعره وما يجول في خاطره من ذكريات ومواقف حدثت له مع أعزاء كرام، لهم عنده مكانة غالية، لا يمكن له الوقوف عندها أو تجاوزها دون أن يدون الكثير عنها ، لكن يزداد الأمر صعوبة عندما تتطرق الذكريات والعبارات الى تاريخ كامل يربطك بأمير هاشمي عظيم يشكل دون مبالغة جزءاً من تاريخ وطن أحبه وأخلص له وما زال يمنحه الكثير من الجهد والعطاء ، هو صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظه الله ورعاه .
وقد حرصت وما أزال في كل مناسبة لذكرى عيد ميلاد سموه ، أن أكتب رسالة تحمل ما أمكن لها من المحبة والفخر والتقدير.
وليس من باب المبالغة ان أقول بأن صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال وهو المفكر العربي الهاشمي الأصيل، شغل منصب ولي عهد جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال رحمه الله لعقود خيرة ساهمت في التأسيس لنهضة الوطن التي يكمل مسيرتها ويقوم على رعايتها والنهوض بها جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين ، ويعرف الكثيرون أيضاً مسيرة سموه في النهضة الوطنية من خلال ترؤسه ورعايته للعديد من المؤسسات واللجان الوطنية، ولكن الكثيرين ولا أقول البعض قد لا يعلمون مدى مشاركة سموه في رئاسة وعضوية الكثير من المؤسسات الدولية والعمل الدؤوب فيها، حتى أن الكثير من توصياتها كانت جزءاً من صياغة قرارات أممية صدرت عن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، تلك المؤسسات واللجان التي تعمل في مجال السلام والتسامح الديني وحقوق الانسان ونبذ العنف والكراهية، ونشر قيم المواطنة الانسانية الجامعة وتفعيل العمل بخطاب الوئام العالمي بين أتباع الديانات السماوية، هذا المناخ الذي من شأنه تحقيق حالة من السلم والأمن العالميين، فضلاً عن مشاركة سموه في مؤسسات ثقافية وفكرية ومعرفية عالمية متميزة، وكذلك كثيرون منا قد لا يعلمون كم شهادة دكتوراه فخرية وجائزة عالمية نالها سموه من أكبر وأهم الجامعات في العالم لم تحظى شخصية عالمية بعددها حسب علمي حتى الآن.
والمطالع بعجالة لافكار سموه ورأيه حول الاحتلال الاسرائيلي نرى ان سموه يهتم بالمصطلحات المرتبطة بالقضية الفلسطينية وجوهرها مدينة القدس ومن هذه المصطلحات مصطلح المستعمرات الذي يرى سموه أنها ليست مستوطنات، اذ يؤكد أن السياسة الاسرائيلية قائمة على الاستعمار وتتجه نحو تنفيذ مخططات احلالية، ويؤكد سموه أن هناك حق للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وفق قرارات الشرعية الدولية، كما لخص سموه ملامح ومضامين ما يسمى (صفقة القرن) في مقال عميق له بعنوان " أين سيكون العالم بالنسبة للفلسطينيين؟"، أكد على البعد الوطني والقومي بالنسبة للأردن وقيادته الهاشمية تجاه القضية الفلسطينية وجوهرها مدينة القدس ودفاعهم وتضحياتهم من أجلها، معتبراً أن هذه الصفقة أشبه ما تكون بصفقة عقارية ذاتية ومحدودة المصالح لطرف دون آخر، فضلاً على أنها صفقة تتجاوز اعتبارات القانون الدولي والعديد من قرارات مجلس الأمن، معتبراً سموه أن قضايا المنطقة كلها بالنسبة للهاشميين قضايا وطنية وقومية، يسعون لحلها ويستشعرون بقلق ما ينتج عنها من نتائج سلبية على الوطن والأمة وعلى السلام والأمن العالميين، وهذا الشعور والمنحى الفكري عند سموه يعبر عنه دائماً فيما يمكن تسميته (نداء الحسن للعيش المشترك)، ويطرح سموه نموذج الدستور الفيصلي عام 1920م كنموذج مبكر يدلل على احترام جميع الفئات والمكونات الاجتماعية في منطقتنا وهو بلا شك تمهيداً لتجاوز حدوث الفتن والنعرات الطائفية التي تشهدها المنطقة والعالم اليوم للأسف، ليخلص سموه الى أن التحديات التي يعيشها الانسان تتمحور حول عدة أطراف للصراع، هي صراع ( الانسان ضد أخيه الإنسان والإنسان وعوامل الطبيعة والكوارث الناتجة عن صنع الإنسان).
وفي الجانب الاقتصادي لحل الازمة المالية وزيادة معدلات الفقر في مجتمعنا العربي والاسلامي كرر سموه دعوته الخاصة بإنشاء مؤسسة عالمية للزكاة والتكافل الانساني، وهي دعوة تستند في مضامينها الى تعاليم وقيم ديننا وهويتنا وثقافتنا وليست حلولاً مستوردة بل تنبع منا، تتطلب الالتفات الى قدراتنا الكامنة الفكرية والبشرية، كما أكد سموه على أهمية التكنولوجيا والاتصالات العصرية موضحاً أنه "بات علينا في عصر ما بعد الاتصال أن نستشرف المستقبل، ونختصر الزمن، ونعزز التفاعل" بالطبع للحصول على نتائج تعيننا على تجاوز التحديات وتوفر كمّاً من الرفاهية والراحة الاجتماعية والاقتصادية.
وأرغب في التأكيد على أن مشاعر المحبة والاجلال والفخر الكبير لدي تجاه سموه، جاءت من شرف الخدمة المستمرة عن قرب بمعيته ، كذلك استشعرتها من حجم المحبة والاخلاص والاعتزاز لدى الكثيرين والمتأتية من سيرة سموه تجاه أسرته الأردنية التي أحبها وأحبته شيباً وشباباً، والتي تجده يشاركهم كل مناسباتهم في ظل قيادة صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله ورعاه، كما أن أسرته الخاصة مع الابناء والانسباء، الذين يقضي بينهم أوقاته ينشر بينهم الابتسامة والسعادة، هي أيضاً دليل على أبوته ومحبته لأسرته وعائلته الكبيرة، إن اعجابي ومحبتي لسموه نابعة من معرفتي وملاحظتي للمساحة الفكرية والمعرفية والإنسانية التي شغلها بصدق وموضوعية، فإنك قلما تجد هذه الخصائص والصفات وكل ذلك الانجاز مجتمعاً في شخص واحد، ولكن سرعان ما يأتيك اليقين بإنك تجدها في صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظه الله، لهذا فعندما يقول المرء: بأنه :" خريج مدرسة الأمير الحسن بن طلال" يخدم خلالها الوطن بمعيته ويتعلم منها الكثير، هو قول صدق دون مبالغة أو مجاملة، فأنت في هذا الصرح الشامخ، تشارك في نهضة وطنك وتخدم أمتك وقضاياها، بل تجدك تهتم بجملة القيم الانسانية كلها، أذكر جيداً أنني كتبت سابقاً وفي إحدى الرسائل بمناسبة سابقة في ذكرى عيد ميلاد سموه :" إن العمل مع سموه يعتبر مدرسة وجامعة ولي الفخر والاعتزاز أن أكون أحد خريجيها"، أسأل الله العلي القدير أن ينعم على سموكم والاسرة الهاشمية بدوام الصحة والعافية ويكلل حياتكم سيدي بالسعادة والهناء يخيم عليها راحة الفكر وهدوء البال على الدوام.
وكل عام وأنتم بخير
*أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس
الغد 20/3/2020