رسالة إلى سمو الأمير الحسن بن طلال بمناسبة عيد ميلاد سموه 2009

بقلم : عبد الله كنعان

سيدي صاحب السموً الملكي الأمير الحسن بن طلال  حفظه الله

تحية المحبة والوفاء وبعد.

فالسلام عليك يا سيدي أينما كنت في حلك وترحالك ...

السلام عليك في يومك وغدك، في صباحك ومساءك ...

السلام عليك يوم ولدت ويوم كبرت ويوم أصبحت ولياً للعهد فتشرفت بالعمل بمعيتك.

والسلام عليك يوم سلمت الأمانة وأبلغت الرسالة فكنت أميراً ولا كل الأمراء، وكنت رجلاً ولا كل الرجال، وكنت رمزاً للتضحية والعطاء وكنت عين العقل والفكر والشهامة والآباء.

 

اليوم تحلُ علينا ذكرى ميلادكم الثانية والستون..ومن حقً الوفاء علينا، نحن الذين حظينا وشرفنا بالعمل في ظلالك وإلى جانبك، ناعمين بحكمتك وتوجيهك وحدبك ورعايتك، أن يخضوضر خريف العمر بربيع التذكار .. وكيف ينسى مثلي أنا ومن استظلًوا بجناحيك الوارفين الدافئين، صحائف الرجل العظيم الذي كان - وسيظلُ بإذن الله - النبراس والقدوة والمثل والأنموذج ليس لكل من سعد وشرف بالاقتراب منه فحسب، ولكن لكل مواطن أردني ٍ ولكل أخ ٍ عربي ٍأو مسلم ٍ أو ناشد ِ حكمة ٍ وبصيرة ٍ وتنوير.

 

سيدي صاحب السمو، يا رعاك الله .. 

ليس أبلغ من بلاغة القلم واللسان إلاً الوفاء والعرفان .. لهذا أنا اكتب لسموًكم بوفائي لا بقلمي ولساني، وأنا في حرم التذكار والذكريات، أستعيد أنضر وأكرم وأسعد أيام العمر .. أيام أكرمني الله وأنعم عليً بالاقتراب من سموكم، والحظوة بخدمتكم ..فعرفت فيكم ومنكم وعنكم، في مجالي الطهارة والنقاوة والحكمة ومكارم الفضائل والأخلاق، ما لا يصل إلى معرفته إلا المحبُ والتلميذ والمُريد . ولقد كنت أسعد الناس وأحظى الناس في أترابي وأهلي ومواطنيً وأنا أنهل من شميم العترة الهاشمية عطر الإيمان ونفح َ الوجدان .

 

وها أنا الآن أقف أمام ذكرى ميلادكم العطرة ..  ذكرى ميلاد أمير الخلق والشهامة.. ذكرى ميلاد أمير الفكر والسياسة.. ذكرى ميلاد رجل المبادئ والفعل .. ذكرى ميلاد أمير الوطنية والعروبة.. ذكرى ميلاد أمير المبادرة وعدم الركود والجمود والاتكال على غير صاحب العزة والجلال .. ذكرى ميلاد أمير الحق ومقارعة الظلم أياً كان مصدره ومكانه، إن لم يكن بالفعل واللسان فبالقلب والجنان

 

 فما عساني  أقول في ذكرى ميلادكم، يا سيدي، من قول ٍ يبلغ الذروة والمكانة والرفعة عند الله وفي الناس؟

 

أأقول : كل ُعام ٍوأنتم والأسرة الكريمة بألف خير، وأن تكونوا من أصحاب الأعمار المديدة والأفعال السديدة؟

 

أأقول - وأنتم المثل الأعلى لكل من منّ الله عليهم بالعمل في معيتكم والحظوة بتوجيهكم ورعايتكم، وأنا واحد منهم -، بأنكم الأنموذج الذي يُقتدى به في مجال العلاقة الأسرية وعلاقة المسؤول بالرعيًة... المسؤول الذي نذر نفسه لوطنه ولأمتيه العربية والإسلامية، مثلما نذر نفسه خالصة ً للحقً والعدل وكرامة بني الإنسان؟

 

فمن خلالكم، سيدي، تعرًفنا على الأردن الذي أحببت َ، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه.. تعرًفنا على طموحاته وآماله، ماضيه وحاضره ومستقبله.. واقعه ونهوضه. وكنت أنت، يا صاحب السمو، العين التي رأينا من خلالها الأردن الحبيب في أزهى صوره وأنبل مظاهره ،فهرعنا نضمُه في أحنائنا ونُسدل عليه .أجفاننا ونحضنه بصدورنا، مواطنين َعاملين مخلصين لقيادته الهاشمية وترابه ومواطنيه  

 

ومن خلالكم، سيدي الأمير، تعرًفنا على واقع أمتينا العربية والإسلامية، وعلى طموحاتكم للارتقاء بهما إلى حيث يجب ان تكونا، في مقاعد العزًة وسنام المجد ومشارف العلاء ،وحيث تكون مواقع الريادة في المكانة والفعل الإنساني .. كل ذلك، انطلاقاً من النهوض بالأردن الذي حرصتم دوماً - وبتوجيه من أخيكم جلالة المغفور له بإذن الله الحسين بن طلال - على ان يكون، رغم صغر الحجم وقلة الموارد والإمكانات الاقتصادية، بلداً فاعلاً في محيطه العربي والإسلامي، الإقليمي والدولي، باستحضاركم لعناصر القوة الكامنة في الأمتين العربية والإسلامية.

 

فالحاكمية الرشيدة، وسيادة القانون، والتعايش السلمي، وطنياً وعربياً ودولياً، وعدم اللجوء إلى القوة المسلحة في حلً النزاعات العربيةالعربية، والنزاعات الإقليمية والدولية، أو حتى التهديد باستخدامها في حل النزاعات، بل وجوب فضًها بالطرق السلمية، والاحترام المتبادل في العلاقات مع الآخر، وطنياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، بقطع النظر عن أحجام الدول وقدراتها وإمكاناتها وقوتها على اختلاف أشكال القوة ... كل تلك المبادئ التي احتضنتها ورعيتها وناديت بها، في وقت ٍ مبكر، لم تجد أذناً صاغية لدى أصحاب القرار،في هذا العالم الذي تحكمه القوة ويتحكًم به الأقوياء ..  اللهم إلا لدى أولئك الذين لا حول لهم ولا قوة، إلا المناشدة والتمني.

 

لذا، فها نحن اليوم، معشر العرب والمسلمين، ننقلب من مأزق إلى آخر أشد وطأة وإيلاماً

 

وها هو الاستيطان اليهودي الصهيوني الذي ظللتم تنبهون إلى مخاطره على مستقبل الدولة الفلسطينية المنتظرة، وعلى الأمنيين الوطني والقومي، وسميتموه باسمه الحقيقي "الاستعمار" وسميتم "المستوطنات"  بـ "المستعمرات"، وصممتم خريطة للمستعمرات الإسرائيلية في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة وكلفتم زميلاً لنا في مكتبكم بتحديثها أولاً بأول .. هاهي اليوم تلتهم أجزاء كبيرة وحيوية من فلسطين المحتلة، وتقضم القدس وتعزلها عن محيطها الفلسطيني، وتفكك أوصال الضفة الغربية المحتلة وتحيلها إلى "كانتونات"، ليستحيل معها إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة وعاصمتها القدس، إذا ما أصرًت إسرائيل على تكريس احتلالها للضفة الغربية، وعلى أن تكون القدس عاصمة ًموحدة وأبدية لها.

 

وما سياسة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الإسرائيلية - في الواقع - إلا غيض ٌمن فيض سياسة إسرائيل التهويدية على اختلاف أشكالها، وبخاصة في الشطر الشرقي من القدس الذي يحتضن أقصاها - يا صاحب السمو - ضريحي جدًيك الشهيدين الحسين بن علي عبدالله بن الحسين، طيًب الله ثراهما وأسكنهما فسيح جنانه.

 

أما على صعيد همًكم العربي الذي عرفناه وخبرناه في سموكم، فحدث ولا حرج. فهاهو الاستعمار الذي عشتم حياتكم تحذًرون منه، بشكله القديم الجديد، يعود إلى ربوع وطننا العربي . ولا يعود ذلك للشهية الاستعمارية المستدامة لعالم ما بعد الحرب الباردة، وانتصار الرأسمالية الليبرالية على الاشتراكية الشيوعية، بل لأننا، معشر العرب، مجتمعات ودولاً، لم نستطع الارتقاء إلى مستوى المسؤولية وطنياً وعربياً، وكذا الحال بالنسبة للمجتمعات والدول الإسلامية،  حيث كنت تدعو دائما إلى توظيف عناصر قوتنا الظاهرة والكامنة، التقليدية والديناميكية للانتقال بالأمتين العربية والإسلامية إلى مركز الفعل الإقليمي والدولي كي لا نعود إلى سياسة ومنطق وغوغائية "داحس والغبراء".. من خلال سلسلة الحروب البينية العربية وحروب أهلية طائفية وعرقية، لنفتح بذلك الباب على مصراعيه أمام القوى الإقليمية والدولية المتربصة بنا، لتتخذ من الأرض العربية ساحة أو ملعباً لتمرير سياساتها الإقليمية والكونية.

 

قد يقول البعض : وما علاقة كل ذلك بمناسبة ذكرى ميلادكم سيدي؟

 

ولهذا البعض أقول : إن ذكرى ميلادكم، سيدي، تذكرنا كيف كنتم تسارعون الزمن لكي لا يفوتنا القطار ولنلحق بركب من سبقونا وكنت أيضاً مشغولاً بالهم الوطني.. كيف يمكن ان تجعل من الأردن سنغافورة المنطقة.

وكنت تؤمن ان من أهم عوامل تقدم الأمة هو السير على المنهج العلمي في حياتها إلى جانب سيادة القانون والنظام والعمل المؤسسي وتأكيد حقوق الإنسان كأناً من كان،

وعندما لمس سموكم انقسام الأمة إلى طوائف وقبائل وعشائر ومذاهب دعوت إلى ترسيخ مفهوم المواطنة في الأذهان وتجسيده في حياتنا والى إعلان ميثاق للمواطنة تتبناه كافة الدول العربية.

فأنتم يا سيدي من يسكن الوطن والأمة والإنسانية في سويداء قلبه .. قلب الأمير الهاشمي الأصيل .. الأمير الحسن بن طلال،

 

نعم سيدي.. لو بقيت اكتب ليل نهار وأقول انك كنت.... وكنت.... وكنت.... وعما كنت تفكر به وتعمل من اجله وعملت له لما أنهيت على الإطلاق.... لكنها خواطر وذكريات عشناها وكنا شهداء عليها عندما كنا نعمل بمعيتك. وها أنا أتذكرها بمناسبة عيد ميلادك.. فيا سيدي، إنّ المخزون في النفس كثير وكبير، وتزدحم العبارات وتتنافس أيها يريد ان يخرج ليذهب إليك...

 

معبراً من خلالها عما يجول في خواطري نحوك.

فعند ذكر ميلادك يمر أمام عيني شريط الذكريات الذكريات في حلوها ومرها، فلو جمعت كل ما يختزن صدري من كلام وكل ما يحفظه خاطري من أحلام وكل ما عند زميلاتي وزملائي من أقوال ولو جمعت كل ما كتبه وقاله عنك الكبار والصغار هنا وهناك لو جمعت كل ذلك لما وسعت كل الخزائن والأدراج والتي يمكن اختصارها بذكر اسمك .. الحسن بن طلال

 

فأنت الأمير الحسن صاحب الفعل والرأي والعقل الحسن وكل عام وسموكم والعائلة الكريمة والأردن وأهله وقائده جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين بألف خير.

2009

اللجنة الملكية لشؤون القدس

اللجنة الملكية لشؤون القدس هي لجنة أردنية رسمية مقرها العاصمة عمان تأسست عام 1971 لتُعنى بأوضاع مدينة القدس ونشر الوعي بأهمية قضية القدس.

مهامنا

وضع الإطار العام لتوجهات اللجنة سياسياً وإعلامياً والمصادقة على الخطة العامة السنوية للجنة، واتخاذ القرارات الكفيلة بإنجاحها ومتابعة تنفيذها.