رسالة إلى صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال بمناسبة عيد ميلاد سموه حفظه الله 2016

عبد الله توفيق كنعان

 

سيدي سمو الأمير،

         كل عام وسموكم والعائلة الكريمة بألف خير، نقولها بكل الصدق والمحبة، وكيف لا ونحن الذين خدمنا بمعيتكم سنين طويلة، بعضنا غادر والبعض لا يزال، عشنا معكم ساعة بساعة ويوماً بيوم، فنحن شهداء على إخلاصكم ووفائكم للعرش والوطن، وأنتم سيدي لا تحتاجون لمن يشهد لكم لكنها شهادة تعبير عما يجول في خاطرنا وعن مشاعرنا ومحبتنا لكم، شهداء على سهركم الليل استعداداً للغد وما فيه من واجبات واجتماعات ولقاءات وندوات ومؤتمرات وخطابات، وأهم من كل هذا وذاك، نحن شهداء على صدق نواياكم ورفيع أخلاقكم ونزاهة مسيرتكم ومحاربتكم للفساد والمفسدين. وليس هذا فحسب نحن أيضاً شهداء على وطنيتكم ومشاعركم القومية التي أورثكم إياها جدكم الشريف الحسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى ليوحد الأمة ويجمع صفها بعد تحريرها.

  فكم من خطاب لكم  أكدتم فيه وحذرتم من فرقة الصف والكلمة؟ وكم أوضحتم سموكم في أكثر من مناسبة وخلال خطاباتكم ولقاءاتكم وكان احدها أثناء زيارة لكم إلى تركيا سنة 1982 شددتم فيه على أن الثورة العربية الكبرى لم تقم ضد الخلافة بل كانت ضد الظلم الذي مارسه الحكام في آخر عهد الخلافة ليس على العرب وحدهم بل على الأتراك أنفسهم أيضاً تلك الثورة التي ها نحن نحتفل بالذكرى المئوية لقيامها.

سيدي سمو الأمير،

من حق سموكم علينا أن لا تمر ذكرى ميلادكم دون أن نذكركم بالخير. اجل من حقكم  علينا ان نذكر باعتزاز ما قدمتم سموكم للوطن والأمة لأنكم كنتم على قدر المسؤولية التي أولاكم إياها سيد البلاد، جلالة المغفور له الملك هم من كل أهالحسين بن طلال، كنتم أهلا للثقة تلك فأوكل إليكم تولي عدد كبير من المهام؛كنتم يا سيدي خير الأخ والمعين لجلالته رحمه الله.

وبوحي من روح الإخلاص والانتماء للوطن، وبوحي من توجيهات جلالته رحمه الله كان دافعكم خدمة هذه الأمة ورفعة شأنها. ومن يتابع عمل يوم من أيام عملكم وأنتم ولياً للعهد آنذاك، يعرف جيداً الأعباء الجسيمة التي ألقيت على عاتقكم، لتحقق ما أراده جلالته رحمه الله لهذا الوطن من أمن واستقرار ورفعة وتقدم وازدهار في مختلف مناحي الحياة، وهي الأعباء التي يقوم بها الآن ابن أخيكم جلالة الملك عبد الله بن الحسين حفظه الله بكل جدارة واقتدار؛ فها هو يواصل مسيرة والده رحمه الله ليبقى الأردن واحة أمن واستقرار في ظل وضع عربي ومحيط إقليمي ملتهب. هكذا هم الهاشميون مصدر أمن يلجأ إليهم كل محتاج للمأوى ويستضيء بحنانهم ودفء مشاعرهم كل الأردنيين، ليشكلوا نموذجاً يحتذى به بالحكم وإدارة شؤون الوطن وتعزيز أمنه واستقراره.

سيدي سمو الأمير

 الوقت كان عندكم للانجاز والعمل الدءوب، فلا حساب لساعات العمل ولا راحة قبل انجاز برنامج عملكم اليومي والذي يبدأ مع إشراقة شمس كل يوم ولا ينتهي إلا بعد منتصف الليل.

فالانتماء الذي تعلمنا وتربينا عليه في مدرسة سموكم هو الإخلاص والوفاء والنزاهة والأمانة والصراحة والجرأة بقول الحق، فلا تواكل بالعمل، ولا توكل إلا على الله، فقد تعلمنا سيدي في مكتب سموكم أن نعمل بروح الفريق الواحد ،فالعلاقة التي أرسيت بيننا أساسها المحبة والمودة سعياً لإنجاز المطلوب، كنا نشكل فريق عمل واحد متماسك ومنسجم، يتولى الواحد منا عمل الأخر بسرعة ودقة حال غياب أحد منا.

سيدي سمو الأمير،

نعم سيدي إن سيرتكم منذ أن توليتم ولاية العهد إلى أن تقاعدتم تحكي قصة وطن في شتى مجالاته وأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والإنسانية، فطيلة تلك السنوات ظللتم تنسجون قصة وطن ولدنا وكبرنا وفتحنا عيوننا عليه، ماضيه وحاضره ومستقبله، كنا نراكم وأنتم ترون مرارة الواقع العربي والإسلامي دون ان يتسلل الإحباط إلى نفسكم أو ان تتملككم خيبة الأمل، وان كنا نلحظ عليكم مرارة الألم الذي يعتصر داخلكم كلما ألم بعالمنا العربي والإسلامي من أزمات وواجهته من تحديات وصعوبات لم يستطع القادة من لملمتها ومواجهتها بالشكل الذي يحافظ على قوة الأمة ووحدتها من أجل مستقبل أفضل، كان يؤلمكم أن الهوة تكبر بين القائد ورعيته في هذا البلد العربي أو ذاك. وكم  كان يؤلمكم أن ترى الفرقة تزداد بين الحاكم والمحكوم من جهة وبين أقطار وطننا العربي والإسلامي من جهة أخرى؟ كم كان يؤلمكم أن البعض لم تكن لديه الرؤيا الثاقبة لما يدور حوله، فلا بعد نظر على المستوى العربي في التعامل مع المشكلات وتداعياتها، ولا وكيف يجب أن تدار الأمور على المستوى الإقليمي والدولي، ولا وكيف يجب أن تتحد الأقاليم مع بعضها لتكون قادرة على مواجهة الطامعين بها، وكسب صداقات وثقة الرأي العام وصناع القرار في الدول الكبرى ومعرفة أهدافها وخططها بما يمكنها  من تجنب شرورها وتآمرها وما تخطط له لتكريس انقسامنا.

 

سيدي سمو الأمير،

 لقد كنتم سيدي دائماً سابقين لعصرك. كانت نظرتكم للأحداث بعيدة بحكم علاقاتكم وحضوركم على المستوى الوطني والإقليمي والدولي. وكيف لا تكونون كذلك وأنتم دائمي الحضور مع المفكرين والعلماء وكبار السياسيين الدوليين إلى جانب نهمكم في القراءة والبحث والاستفادة من حضارات وثقافات الأمم الأخرى المتقدمة علينا؟،لم يكن عندكم فراغ للهو، ولم تجاملوا أحداً إطلاقاً على خطأ يرتكب, أو حتى عن سهو، صدقني يا سيدي كم كنت أسمع من كافة الزملاء في الديوان الملكي ورجال دولة ومسؤولين بأنهم كانوا يهابونكم لا لبطش يخشونه، بل لمساءلة قد يتعرضون إليها بسبب تقصير في عمل لم ينجز في وقته المحدد أو تقاعس عن أداء واجب.

كان كل مسؤول يخشى الخطأ لأنه حريص على صورة أدائه في معيتكم .. آه يا زمن ماذا عساي أن أقول بمناسبة عيد ميلادكم سيدي صاحب السمو، فالكلام  كثير وكثير، والذكريات لا حصر لها ولا عدد، كل يوم فيه قصة وعبرة ودرس. ذكر لي بعض الأخوة من العسكريين ممن خدموا بمعيتكم سكرتيراً عسكرياً بأنهم قد نهلوا من مدرستكم خلال السنة أو السنتين ما أكسبتهم خبرة لم يكن لأي منهم  ان يعرفها مهما طالت خدمته في مكان آخر..

سيدي صاحب السمو

 قد يظن من يقرأ رسالتي لسموكم بأن سموكم قاسي القلب ومقطب الحاجبين دائماً، وأعذرهم في ذلك لأن أحداً لم يقل لهم بأن سرعة غضبكم سرعان ما تزول  بابتسامتك العريضة، كما انه ما من أحداً قال لهم بأنكم صاحب روح مرحة، تجيد الضحك وتحب الفكاهة والنكتة بقدر ما تحب العبارات الجميلة والحِكم والأمثال المعبرة.

وأن أحداً لم يقل لهم بأنكم مدرسة للصفح والتسامح إذا أخطأ الواحد مع سموكم. وأن أحداً لم يقل بأن قلبكم واسع ورقيق المشاعر ومرهف الأحاسيس والعواطف. فكم كنتم تخفون الدمع في مقلتيكم كلما كان المشهد أو الحدث حزيناً ومؤلماً.

سيدي سمو الأمير،

         نسأل الله العلي القدير أن يحفظ الله الأردن ويحفظ قيادته الهاشمية ليبقى واحة أمن واستقرار وحصناً منيعاً لنا ولامتنا كما كان على الدوام، نصيراً لفلسطين وأهلها وللقدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.

وكل عام وأنتم والعائلة الكريمة جميعها وكل الهاشميين وقائد المسيرة بألف خير.

الرأي 20/3/2016 صفحة 25

اللجنة الملكية لشؤون القدس

اللجنة الملكية لشؤون القدس هي لجنة أردنية رسمية مقرها العاصمة عمان تأسست عام 1971 لتُعنى بأوضاع مدينة القدس ونشر الوعي بأهمية قضية القدس.

مهامنا

وضع الإطار العام لتوجهات اللجنة سياسياً وإعلامياً والمصادقة على الخطة العامة السنوية للجنة، واتخاذ القرارات الكفيلة بإنجاحها ومتابعة تنفيذها.