رسالة عهد ووفاء إلى سمو الأمير الحسن بن طلال حفظه الله بمناسبة عيد ميلاده 2018

بقلم : عبد الله كنعان

 

سيدي سمو الأمير، يدعونا واجب الوفاء والاخلاص والمحبة لسموكم، كما هو حالنا على الدوام، تجاه الأسرة الهاشمية التي نحبها ونخلص لها، نحن الذين تشرفنا بالعمل بمعية سموكم على مدى الأيام والسنين الطويلة التي مرت، بحلوها ومرها. أن ننتهز فرصة ذكرى ميلاد سموكم، فأسأل نفسي هل أكتب إليكم؟ أم أكتب عنكم سيدي؟، وأنا من حفظت في مفكرتي ما يملأ مجلدات، فيها كل ما من شأنه أن يفخر ويعتز به الإنسان، سيرة عطرة لحياتكم، فما زلت أحفظها وامتثلها قدوة ونموذجاً أعمل بها على الدوام، فقد جسدتم بحق في سيرتكم الوطنية والقومية كل معاني الإخلاص والوفاء للوطن الذي تحبون وتفدون، وللأمة الخالدة التي تدافعون عنها، وتمنون النفس بدوام رفعتها ورفعة شأنها، وحبكم لأبناء وطنكم شيوخهم وشبابهم وصغارهم هو الآخر فيض من نبع حبكم الأصيل للوطن، ألم تكونوا أنتم يا سيدي في لقاءاتكم تنادون الحضور بأسمائهم وتداعبون الشيوخ بذكرياتهم، وتسألون الشباب عن أحوالهم وآمالهم. وفي زياراتكم للمؤسسات ولقاءات المسؤولين، ألم تسألهم عن خططهم التنموية التي وضعت، وإنجازاتهم ومشاريعهم التي تمّ الإتفاق عليها بحضوركم وإرشادكم الكريم، ليشعر كل واحد منهم بأنه معرض للسؤال والجواب، مما يدفعهم للحرص الدائم على الإنجاز خشية مسائلتك للمقصر منهم، وتقديم الثناء على المبدع والمجد منهم. ألم تحذِّر في المحافل السياسية المحلية والعربية من جُلة المخاطر التي تهدد أمن المواطن وسلامته، فتدعو إلى أن نخطط لأنفسنا قبل أن يُخطط لنا، وتدعو إلى وحدة الصف والكلمة ونبذ العنف والتعصب بشتى أشكاله حفظاً لكرامة الإنسان الأردني والعربي. ألم تكن من أول المحذرين في مختلف المحافل الدولية من خطورة الصمت على الظلم والبعد عن الإستقواء حفاظاً على عيش الشعوب بأمن وسلام والتعاون فيما بينها لرفعة الإنسان وشأنه.

وفي سبيل وحدة الصف العربي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الدقيقة المثمرة، أنشأتم سموكم منتدى الفكر العربي ليكون جسراً بين المواطن العربي والحاكم. وفي سبيل التقريب بين المسلمين وأفكارهم في جميع أرجاء المعمورة، أنشأتم سموكم مؤسسة آل البيت، وذلك بهدف ضم أشهر العلماء المسلمين إليها، غايتهم أن يتباحثوا ويلتقوا ويتّحدوا بأفكارهم، ويحترم كل واحد منهم مذهب الآخر وملته وطائفته، ليكون عملك المؤسسي هذا مساراً نخطوا عليه من أجل إنشاء حوار للمذاهب الإسلامية كي توحد كلمتهم وموقفهم وتلغي الفوارق التي تبعدهم وتضعفهم، وفي سبيل الحوار مع الآخر وترسيخ دعائم الأخوة والصداقة والتقارب، حرص سموكم على إنشاء المعهد الملكي للدراسات الدينية، فتكون مهمته وجهوده منصبة في اإدارة برنامج حوار الأديان ليكون منهجاً قويماً ليلغي التعصب والتطرف الديني، ويقرب بين أتباع الأديان جميعاً، ولتحقيق كل ذلك مهدتم سموكم بطرح ثوابت مهمة من جملتها تبني فكراً حوارياً ونهجاً تعايشياً يسعى في جوهره إلى تحقيق أعلى مستويات الانسجام الإنساني ويغرس في مجتمعاتنا قيم المصالحة بين الشعوب، وهكذا يا سيدي كنتم تهدفون بما انشأته من مؤسسات عديدة لا مجال لتعدادها وفي ذكرها يطول الشرح، فإنجازات سموكم عظيمة وكثيرة يصعب علينا حصرها.

إن إنسانية سموكم والتي غلفتها المشاعر والأقوال الصادقة، تبلورت في خطوات عملية متقدمة لها نتائجها المباشرة على مجتمعنا الأردني الذي يغلب عليه اليوم حالة من التغيير والتطور، سببها تأثره بالأوضاع الإقليمية والعالمية بخاصة السياسية والاقتصادية منها، وما تفرزه من نتائج متنوعة لا يمكن أن ننأى بأنفسنا عن تأثيرها، غير أن الفكر الهاشمي النيّر الذي يقوده الآن ابن أخيكم جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله، ساهم بوعيه المعهود في التقليل من تحدياتها، ولقد تجسد دور سموكم الإنساني في حضوركم المميز وما يتخلله دوماً من طروح ورؤى موزونة أقرب ما تكون إلى برامج عمل متكاملة متعلقة بكبرى القضايا الانسانية في المنطقة بل في العالم كله اليوم، ولا شك أن في مقدمتها قضية اللاجئين والتي أقلقت سموكم لما ينتج عنها من التداعيات العصيبة، هذه القضية المستعصية والتي كانت حصيلة لما يجري حولنا من أحداث معقدة يصعب تحليلها وتفسير خفاياها، فقد ناديتم خلال أعمال ((المؤتمر الدولي الثالث اللاجئون في الشرق الأوسط: المجتمع الدولي، الفرص والتحديات 2018)) نحو ضرورة التأكيد على أهمية توحيد النظرة الانسانية لحقوق الإنسان بشكل عام سواء كان الإنسان مواطناً أو مهاجراً أو لاجئاً، بعيداً عن لغة المصطلحات التي أخذت تعمق لأشكال التقسيم في المجتمع.

إن رؤيتكم الإنسانية هذه تنطلق من ثوابت هاشمية أصيلة تهدف إلى إحياء مفاهيم التضامن الإنساني لقطف ثمار الوحدة الانسانية، مقتنعين سموكم بأن رسالة الإسلام السمحة في جوهرها رسالة أخوة إنسانية وديناً يستوعب النشاط الإنساني كله، يلغي الفوارق بين بني الإنسان، يعين الفقير ويساعد المحتاج، فمن هنا كانت دعوة سموكم وما زالت إلى إنشاء صندوق عالمي للزكاة بغية القضاء على الفقر والمحافظة على إنسانية الإنسان وكرامته.

ونظراً لإهتمام سموكم بالشباب ودورهم الفاعل في المجتمع، اسمحو لي يا سيدي أن أتطرق إلى بعد نظركم وتطلعاتكم لأهمية دور الشباب في المجتمع وبناء الوطن، إذ أنشأ سموكم لتوجيه طاقاتهم وطموحاتهم منتدى الشباب العربي ((وهو يعد أكبر تنظيم شبابي ظهر في تاريخ الأردن والذي شرفني سموكم بمسؤوليته بالإضافة إلى عملي))، حيث كان يضم خيرة طيبة من الشباب الأردني تجاوز عددهم خمسة آلاف شاب وشابة، منظمين حسب الأصول وضمن هيكل تنظيمي وفروع منتشرة في جميع ربوع الوطن الغالي، وقد بلغ عددها (20) فرعاً موزعة على المحافظات والألوية في أنحاء المملكة لكل منها مجلس وموقع، ولم يكن يمر أسبوعاً إلا والصحافة تكتب عن همة شباب المنتدى ونشاطهم في خدمة المجتمع المحلي، دون أن تُكلِّف الدولة فلساً واحداً، إذ كانت ميزانيته من حصيلة التبرعات ممن آمنوا بالشباب ودورهم الريادي واشتراكات العضوية، والشرح في هذا المجال كغيره من المجالات يطول لكثرة ما أنشأ سموكم من مؤسسات وجمعيات هامة لا يتسع الحديث عنها في رسالة التهنئة هذه بعيدكم الميمون.

إننا على علم يا سيدي، بأن الهم العربي بكل تفاصيله وحيثياته، كان وما يزال يأخذ المساحة الأكبر من فكر الهاشميين وجهدهم المتواصل ليلاً ونهاراً، وهو الشغل الشاغل الآن لجلالة الملك عبد الله الثاني يحمله معه في حله وترحاله ومقابلاته ولقاءاته. وأنتم يا صاحب السمو ممن كان يُقلق وجدانهم وفكرهم المستنير هذا الضعف والخذلان والتشرذم الذي تشهده للأسف منطقتنا العربية، فما تشهده من دمار وحروب وتهجير قصري للمواطن العربي أصبح يدمي القلب.

أما القضية المصيرية والتي تستحوذ على جل اهتمامكم ولا غرابة في ذلك فهي القضية الفلسطينية التي ضحى من أجلها جدكم وعائلتكم الباسلة على مدار التاريخ، وقد كنتم يا سيدي تستشعرون بفراستكم العربية المعهودة ونظرتكم الثاقبة الخطر القادم الذي ينتظر الوطن المسلوب والقدس الشريف، فكان سموكم يتمنى أن تكون القدس أول بند يناقش في المفاوضات العربية الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد، تشاطرون في طموحكم ذلك موقف المغفور له جلالة الملك الحسين ابن طلال رحمه الله، ولهذا الهدف كانت دعوات سموكم المتواصلة، إلا أن الإرادة الدولية أبت إلا أن تؤجل وضع القدس لمفاوضات الوضع النهائي، وكم حذرتم يا سيدي من خطر الاستيطان وبح صوتكم، تحذرون فيها من الخطر منذ أن قامت أول مستعمرة، وأنتم يا سيدي من اسميتموها بذلك رافضين تسميتها مستوطنة، وناديتم بضرورة الوعي والعمل للحد من خطرها الداهم ((ولكن لا حياة لمن تنادي))، وبالتالي فإن همكم وحرصكم على فلسطين والقدس بما في ذلك الأماكن المقدسة، كما هو حال الهاشميين وحرصهم بقيادة صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين على العناية بها والدفاع عنها في جميع المحافل الدولية، والعمل انطلاقاً من الوصاية الهاشمية على القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.

وختاماً اسمح لي سيدي بعد أن تجولت بالحديث عن بعض من سيرتكم الكبيرة وهي بحجم هذا الوطن الكبير ((وهي غيظ من فيض)) أن أتوجه بهذه المناسبة العزيزة على قلوبنا إلى الله العلي القدير أن يمن علينا وعليكم وعلى أسرتكم الكريمة بدوام الصحة والعافية، فيرزقكم راحة الفكر وهدوء البال ويحفظكم من كل سوء ومكروه ويطيل لنا عمركم، وليبقى الأردن موطن العز والكرامة والإباء سنداً وداعماً لفلسطين والقدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية في ظل رعايتها الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه وحفظكم ورعاكم وكل عام وانتم بخير.

جريدة الراي 20/3/2018م

اللجنة الملكية لشؤون القدس

اللجنة الملكية لشؤون القدس هي لجنة أردنية رسمية مقرها العاصمة عمان تأسست عام 1971 لتُعنى بأوضاع مدينة القدس ونشر الوعي بأهمية قضية القدس.

مهامنا

وضع الإطار العام لتوجهات اللجنة سياسياً وإعلامياً والمصادقة على الخطة العامة السنوية للجنة، واتخاذ القرارات الكفيلة بإنجاحها ومتابعة تنفيذها.