عبد الله كنعان
في حياة الانسان أيام تقف شواخص في درب عمره، بعضها من صنع يديه وبعضها تصنعه، وأخرى تمر مرور الكرام، ايام تختلف في شكلها ولونها ومذاقها، قليل منها الزاهي البديع العذب، وقليل ايضاً ما هو عكس ذلك لحسن الحظ، اما الكثير الكثير فلا طعم له ولا لون ولا رائحة، فهي كالماء السبيل نحتسيه ولا نشعر به الا عند الظمأ الشديد. وعلى الرغم من أننا لا نقيم طويلاً في هذه الحياة الدنيا، الاّ أننا نعد الأيام ونحسبها، فهي تعود كل عام تجددّ الذكرى وتنعش الذاكرة. ومن بينها جميعاً يتفرد يوم بعينه، يوم اطلالة كل انسان على دنياه، حيث هو مركز الحدث، وإن كان صانعيه هما والداه، بإرادة علوية، ويفرحان به أيمّا فرح، لأنه الهدّية السماوية.
كل الناس حريصون على جعل وجودهم شيئاً ذا معنى، يحددون أهدافاً ويسعون لتحقيقها. وإذا كان الفتى ذا همة عالية وأصل رفيع، فلا بد له من أن يشحذ ارادته ويقوي عزيمته، حتى يعادل طموحه حلمه ويماثل عقله فعله. فكيف إذا كان من دوحة سامقة الاغصان عميقة الجذور وارفة الظلال ؟ وكيف إذا كان حكيماً عاقلاً، تخرج بشهادة عليا من الجامعة ليحصل على شهادة أعلى في ادارة شؤون البلاد، منحه إيّاها شقيقه ومعلمه، حين اسند إليه ولاية العهد، فانطلق حاملاً مسؤوليته يزور المواقع ويعقد الاجتماعات في الصباح الباكر، قبل أن تحمى عين الشمس، يعمل على تثبيت دعائم النظام وسط بحر متلاطم الامواج، تعصف به الرياح والأزمات، والربّان ممسك بدفة القيادة يدرب شقيقة ويوجهه ويرشده وينبهه، حتى وصلت السفينة بحر الأمان. ثم وقف على المنابر الدولية، كما وقف الشقيق المعلم من قبل، حتى وضعا الأردن على خريطة العالم. ولم ينس في خضم مسؤولياته ان يأخذ بيد ابنائه الطلبة المعوزين وغيرهم من المواطنين، وأن يرد الظلم عمن وقع عليه، يتفقد الرجال الكبار الذين وقفوا مع الجد المؤسس والملك الوالد، ومع أمتهم ووطنهم.
وكان طوال الوقت يرى ويسمع ويحس ويلمس، مما قد لا يروق ويعجب أو يثير ويغضب، فما يلبث ان يضحك ويسخر، أو يكظم ويتصبر. ومع كل ذلك، لم ينس في غمرة مسؤولياته الجسام أن يلتفت الى العلم والثقافة، فعمل على انشاء العديد من مراكز التميز، التي لا يزال يرأس العديد منها، في المجالات السياسية والفكرية والدينية والعلمية، كما انخرط في الكثير من المؤسسات المماثلة في أرجاء العالم.
ثم مد حبل الود والتواصل مع قادة الدول العربية والاسلامية، وأنشأ علاقات وثيقة مع الشخصيات المرموقة في الميادين المختلفة، في طول الوطن العربي وعرضه. وهكذا تمرس في السلطة، حيث ضرّسته الأيام وحنّكته التجارب.
وفجأة إذ جاء التغيير، ورأى القائد أن ينقل الراية من بعده لنجله، ويريح شقيقه من أعباء المسؤولية التي نهض بها زهاء ثلاثة عقود ونصف، ظنّ البعض أن الأمير الجليل قد يتمرد على قرار اتخذه القائد في لحظة مصيرية. بيد أنه خّيب ظنون هؤلاء، فتقبل الأمر طائعاً مختاراً، وأثبت من الولاء لعميد الأسرة الجديد ما كان عليه أيام العاهل الراحل، فالوفاء عند الهاشمي خلق نبيل والاخلاص لديه طبع أصيل.
وحين تسرب الشك لنفوس بعض المَصْلحَيين، فحسبوا أن انحسار السلطة عمن كانت بين يديه، تُوجبُ عليهم الإنفضاض عنه، والتخلي عن قربهم منه، تبخّر اكثرهم، ولم تبق سوى قلة قليلة على اخلاصها، ليقينها أن الولاء للقائد الجديد لا يتناقض مع الوفاء للرجل الكبير. فالولاء للعرش والوفاء للاسرة كل لا يتجزأ، مهما اختلفت مواقع الرجال. بل ولقد أوغل بعض ذوي المصالح في الضلال، وهم الذين لا ولاء عندهم الاّ لمصالحهم، فعمدوا الى وضع معاييرهم الخاصة، وافتوا بعدم أحقية فلان أو عدم أهلية علان، لشغل مراكز قيادية في الدولة، بحجة أنهم " محاسيب " الأمير الحكيم، فاستثنوا من مراكز النفوذ من لا يريدون حتى يستأثروا بها منفردين. أمّا الذين تعلموا في مدرسة الهاشميين فيدركون تماماً، كيف ولماذا يفعل اولئك ما يفعلون، لبئس ما يفعلون.
بقي أن نقول لمن يستغربون أو يستكثرون، بل وينكرون على سمو الأمير الحسن بن طلال اهتمامه بالعراق الشقيق، إننا لن نذكرهم بمملكة الهاشميين في العراق أو بالاتحاد الهاشمي بين بغداد وعمان أو حتى بمنطلقات الثورة العربية الكبرى، فقط نود أن ننعش ذاكرتهم بالفكر القومي والاسلامي والانساني الذي شكل رؤية الأمير ونظرته تجاه وطننا العربي الكبير وفي القلب منه أرض الرافدين، ونحيلهم لكتبه ومحاضراته وندواته وتصريحاته، على مدى العقود الماضية.
ونذكرهم أيضاً بما قاله سموه بأن حرصه على العراق لا ينبع من رغبة ذاتية أو مطمع شخصي، فلا التاج يُغريه ولا العرش يُغويه، وإنما المصلحة العليا للبلد الشقيق هي التي تقود خطاه. فإن اجمعت قوى الشعب العراقي بكافة أطيافه وطوائفه ومكوناته وألوانه، والتي لسموه علاقة وثيقة بها كلها، والتقت على اسناد دور قيادي تصالحي لسموه، عند ذلك، فهل يتوانى عن أداء الواجب، خاصة في هذا المنعطف الخطير من تاريخ العراق الحديث؟
وفي الختام نقول في يوم ميلادك السعيد: ياسمو الأمير أطال الله بقاءك وأمد في عمرك وأنعم عليك بالصحة واسبغ عليك ثوب العافية ومتعك واسرتك الصغيرة بحياة ملؤها راحة الفكر وهدوء البال، ولأسرتك الكبيرة أمل ودعاء بحياة ملؤها العطاء والرخاء، إنه على كل شيء قدير وبالاجابة جدير.
عبد الله كنعان
18/3/2004م